الغزالي
103
إحياء علوم الدين
فهذه الأحاديث تدل على أن الفرار من الطاعون منهي عنه ، وكذلك القدوم عليه وسيأتي شرح ذلك في كتاب التوكل فهذه أقسام الأسفار ، وقد خرج منه أن السفر ينقسم إلى مذموم ، وإلى محمود وإلى مباح ، والمذموم ينقسم إلى حرام كإباق العبد ، وسفر العاق ، وإلى مكروه كالخروج من بلد الطاعون ، والمحمود ينقسم إلى واجب كالحج وطلب العلم الذي هو فريضة على كل مسلم ، وإلى مندوب إليه كزيارة العلماء وزيارة مشاهدهم ومن هذه الأسباب تتبين النية في السفر فإن معنى النية والانبعاث للسبب الباعث والانتهاض لإجابة الداعية ، ولتكن نيته الآخرة في جميع أسفاره وذلك ظاهر في الواجب والمندوب ، ومحال في المكروه ، والمحظور ، وأما المباح فمرجعه إلى النية فمهما كان قصده بطلب المال مثلا التعفف عن السؤال ، ورعاية ستر المروءة على الأهل والعيال والتصدق بما يفضل عن مبلغ الحاجة صار هذا المباح بهذه النية من أعمال الآخرة ، ولو خرج إلى الحج وباعثه الرياء والسمعة لخرج عن كونه من أعمال الآخرة ، لقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّما الأعمال بالنّيّات » فقوله صلَّى الله عليه وسلم : الأعمال بالنيات عام في الواجبات والمندوبات والمباحات ، دون المحظورات ، فإن النية لا تؤثر في إخراجها عن كونها من المحظورات وقد قال بعض السلف : إن الله تعالى قد وكل بالمسافرين ملائكة ينظرون إلى مقاصدهم . فيعطى كل واحد على قدر نيته ، فمن كانت نيته الدنيا أعطى منها ، ونقص من آخرته أضعافه وفرق عليه همه ، وكثر بالحرص والرغبة شغله ، ومن كانت نيته الآخرة أعطى من البصيرة والحكمة والفطنة ، وفتح له من التذكرة والعبرة بقدر نيته ، وجمع له همه ودعت له الملائكة واستغفرت له وأما النظر في أن السفر هو الأفضل أو الإقامة فذلك يضاهي النظر في أن الأفضل هو العزلة أو المخالطة ، وقد ذكرنا منهاجه في كتاب العزلة فليفهم هذا منه . فإن السفر نوع مخالطة مع زيادة تعب ومشقة ، تفرق الهم ، وتشتت القلب في حق الأكثرين ، والأفضل في هذا ما هو الأعون على الدين ، ونهاية ثمرة الدين في الدنيا تحصيل معرفة الله تعالى ، وتحصيل