الغزالي
102
إحياء علوم الدين
الانتشار فانتشروا ، وقد كان الخوّاص لا يقيم ببلد أكثر من أربعين يوما ، وكان من المتوكلين ويرى الإقامة اعتمادا على الأسباب قادحا في التوكل ، وسيأتي أسرار الاعتماد على الأسباب في كتاب التوكل إن شاء الله تعالى القسم الرابع : السفر هربا مما يقدح في البدن ، كالطاعون ، أو في المال ، كغلاء السعر أو ما يجرى مجراه ولا حرج في ذلك ، بل ربما يجب الفرار في بعض المواضع ، وربما يستحب في بعض ، بحسب وجوب ما يترتب عليه من الفوائد واستحبابه . ولكن يستثنى منه الطاعون ، فلا ينبغي أن يفر منه لورود النهي فيه ، قال أسامة بن زيد : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ هذا الوجع أو السّقم رجز عذّب به بعض الأمم قبلكم ثمّ بقي بعد في الأرض فيذهب المرّة ويأتي الأخرى فمن سمع به في أرض فلا يقدمنّ عليه ومن وقع بأرض وهو بها فلا يخرجنّه الفرار منه » وقالت عائشة رضي الله عنها : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّ فناء أمّتى بالطَّعن والطَّاعون » فقلت : هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون ؟ قال : « غدّة كغدّة البعير تأخذهم في مراقهم . المسلم الميّت منه شهيد ، والمقيم عليه المحتسب كالمرابط في سبيل الله والفارّ منه كالفارّ من الزّحف » وعن مكحول عن أم أيمن قالت أوصى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] بعض أصحابه « لا تشرك باللَّه شيئا وإن عذّبت أو حرّقت ، وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من كلّ شيء هو لك فأخرج منه ولا تترك الصّلاة عمدا فإنّ من ترك الصّلاة عمدا فقد برئت ذمّة الله منه ، وإيّاك والخمر فإنّها مفتاح كلّ شرّ ، وإيّاك والمعصية فإنّها تسخط الله ، ولا تفرّ من الزّحف وإن أصاب النّاس موتان وأنت فيهم فاثبت فيهم ، أنفق من طولك على أهل بيتك ولا ترفع عصاك عنهم ، أخفهم باللَّه »