الغزالي
101
إحياء علوم الدين
عن غير الله ، فإن لم يتم فراغه فبقدر فراغه يتصور أن يشتغل بالدين ، ولا يتصور فراغ القلب في الدنيا عن مهمات الدنيا والحاجات الضرورية ، ولكن يتصور تخفيفها وتثقيلها وقد نجا المخفون ، وهلك المثقلون ، والحمد لله الذي لم يعلق النجاة بالفراغ المطلق عن جميع الأوزار والأعباء ، بل قبل المخف بفضله ، وشمله بسعة رحمته ، والمخف هو الذي ليست الدنيا أكبر همه ، وذلك لا يتيسر في الوطن ، لمن اتسع جاهه ، وكثرت علائقه ، فلا يتم مقصوده إلا بالغربة ، والخمول ، وقطع العلائق التي لا بد عنها ، حتى يروض نفسه مدة مديدة ، ثم ربما يمده الله بمعونته ، فينعم عليه بما يقوى به يقينه ، ويطمئن به قلبه ، فيستوي عنده الحضر والسفر ، ويتقارب عنده وجود الأسباب والعلائق وعدمها ، فلا يصده شيء منها عما هو بصدده من ذكر الله . وذلك مما يعز وجوده جدا ، بل الغالب على القلوب الضعف ، والقصور عن الاتساع للخلق والخالق ، وإنما يسعد بهذه القوة الأنبياء والأولياء والوصول إليها بالكسب شديد ، وإن كان للاجتهاد والكسب فيها مدخل أيضا ، ومثال تفاوت القوة الباطنة فيه كتفاوت القوة الظاهرة في الأعضاء ، فرب رجل قوي ذي مرة سوى شديد الأعصاب ، محكم البنية ، يستقل بحمل ما وزنه ألف رطل مثلا ، فلو أراد الضعيف المريض أن ينال رتبته بممارسة الحمل ، والتدريج فيه ، قليلا قليلا ، لم يقدر عليه ، ولكن الممارسة والجهد يزيد في قوته زيادة ما ، وإن كان ذلك لا يبلغه درجته ، فلا ينبغي أن يترك الجهد عند اليأس عن الرتبة العليا ، فإن ذلك غاية الجهل ، ونهاية الضلال وقد كان من عادة السلف رضي الله عنهم مفارقة الوطن خيفة من الفتن وقال سفيان الثوري : هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخامل ، فكيف على المشتهرين ، هذا زمان رجل ينتقل من بلد إلى بلد ، كلما عرف في موضع تحول إلى غيره ، وقال أبو نعيم : رأيت سفيان الثوري وقد علق قلته بيده ، ووضع جرابه على ظهره ، فقلت إلى أين يا أبا عبد الله قال بلغني عن قرية فيها رخص أريد أن أقيم بها ، فقلت له وتفعل هذا ؟ قال : نعم . إذا بلغك أن قرية فيها رخص فأقم بها فإنه أسلم لدينك ، وأقل لهمك ، وهذا هرب من غلاء السعر ، وكان سرى السقطي يقول للصوفية إذا خرج الشتاء فقد خرج آذار ، وأورقت الأشجار ، وطاب