الغزالي

100

إحياء علوم الدين

وآدابه وأعماله الظاهرة والباطنة في كتاب أسرار الحج ، ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام ، وزيارة قبور الصحابة ، والتابعين ، وسائر العلماء ، والأولياء ، وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته ، ويجوز شد الرحال لهذا الغرض ، ولا يمنع من هذا قوله عليه السلام [ 1 ] « لا تشدّ الرّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا ، والمسجد الحرام والمسجد الأقصى » لأن ذلك في المساجد فإنها مماثلة بعد هذه المساجد ، وإلا فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء ، والأولياء ، والعلماء ، في أصل الفضل ، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتا عظيما ، بحسب اختلاف درجاتهم عند الله وبالجملة زيارة الأحياء أولى من زيارة الأموات ، والفائدة من زيارة الأحياء طلب بركة الدعاء ، وبركة النظر إليهم ، فإن النظر إلى وجوه العلماء والصلحاء عبادة ، وفيه أيضا حركة للرغبة في الاقتداء بهم ، والتخلق بأخلاقهم وآدابهم ، هذا سوى ما ينتظر من الفوائد العلمية المستفادة من أنفاسهم وأفعالهم ، كيف ومجرد زيارة الإخوان في الله فيه فضل كما ذكرناه في كتاب الصحبة ، وفي التوراة : سر أربعة أميال زر أخا في الله . وأما البقاع فلا معنى لزيارتها سرى المساجد الثلاثة ، وسوى الثغور للرباط بها ، فالحديث ظاهر ، في أنه لا تشد الرحال لطلب بركة البقاع إلا إلى المساجد الثلاثة ، وقد ذكرنا فضائل الحرمين في كتاب الحج . وبيت المقدس أيضا له فضل كبير . خرج ابن عمر من المدينة قاصدا بيت المقدس ، حتى صلى فيه الصلوات الخمس ، ثم كر راجعا من الغد إلى المدينة ، وقد سأل سليمان عليه السلام ربه عز وجل أن من قصد هذا المسجد لا يعنيه إلا الصلاة فيه ، أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيما فيه حتى يخرج منه ، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله ذلك . القسم الثالث : أن يكون السفر للهرب من سبب مشوش للدين ، وذلك أيضا حسن فالفرار مما لا يطاق من سنن الأنبياء والمرسلين ، ومما يجب الهرب منه ، الولاية ، والجاه وكثرة الخلائق والأسباب ، فإن كل ذلك بشوش فراغ القلب ، والدين لا يتم إلا بقلب فارغ