الشيخ محمد الصادقي
431
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
الشيطان - وطبعا لا في قلوبهم - وإنما في قلوب غيرهم : « لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » ( 53 : 54 ) . وإذا كانت هذه حالة تمنيات المرسلين - الحقة - فكيف بمن دونهم ، ثم كيف للكافرين ؟ ! . . ف « إذا تمنى أحدكم فلينظر ما تمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته » « 1 » فإن هوى النفس ومناها لا تحوّلان الواقع ، ولا تخلقان غير الواقع ، فلتحصر أمنيات الإنسان في الحقائق وبتوفيق اللّه ، فإن الأمر كله للّه : فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى : مهما كنا مخيرين في الأولى بعض الشيء ، فإن هذا الاختيار لا يملّكنا كلّ ما نتمنى ، وفي تقديم الآخرة على الأولى هنا رعاية لموسيقى اللفظ على هامش المعنى ، حيث السيطرة الإلهية ظاهرة واقعة في الآخرة تماما ، مهما خفيت في الأولى أو خفّت بإرادة اللّه ، ولواقع الاختيار فيها دونها . وهذا شيء ملموس من الأسلوب القرآني : انه يجمع بين تنعيم اللفظ وتنعيم المعنى ، دون إخلال بأحدهما على حساب الآخر ، إذ لا تضيق الألفاظ والمعاني على اللّه ، فليس تجريد التجميلات اللفظية عن جمال المعاني - أحيانا - إلّا من هرطقات القاصرين ، كأن القرآن في أنظارهم كتاب شعر أو موسيقى قبل أن يكون كتاب حقيقة أو معنى ! . ونسفا لأهم تمنيات المشركين في الآخرة - عن معبوديهم : بنات اللّه الملائكة : أنهم شفعائهم عند اللّه ، تمنّ عاطل فوق تمنيات باطلة - تأتي التصريحة : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى . . فكيف بتماثيل ملائكة في الأرض ؟ !
--> ( 1 ) . الدر المنثور 6 : 127 - أخرج أحمد والبخاري والبيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه ( ص ) :