الشيخ محمد الصادقي
400
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
نبي مرسل ، فإنها من خصائص صاحب المعراج ! ، وكما تتبنى سفرته الفضائية لمنتهاها حيث رأى من آيات ربه الكبرى : ثُمَّ دَنا ان خرق كافة الحجب الظلمانية والنورانية ، بينه وبين ربه ، وخرق حجاب الصحبة بما سوى اللّه ، إذ عرج عنها بقالبه كما كان عارجا بقلبه ، فلم يبق هنالك أي حجاب اللهم الا حجاب نور الأنوار : نفسه المقدسة ، متحللا عما سواها واقعيا وباختياره ، حيث لا مجال لصحبة غير اللّه ، والانس بما سوى اللّه ، ومثاله في دنوه هذا : فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ فان الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء الخالصة خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما ، يعنيان بذلك أن لا شيء هنا يفصل بينهما ، فهما متحدان في كل مقصد ومرمى . وكما أن القوسين المتلاصقين يشكلان قابا وملتقى واحدا ، كذلك الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في دنوه هذا إلى اللّه لصق قاب قوسه بقاب قوس ربه ، فتلاصق القوسان : قوس الوجوب وقوس الإمكان في قاب واحد ، لا يحول بينهما حائل من جانب الإمكان إلا عجزه عن اكتناه ذات الواجب ، ولا حائل من جانب الوجوب إلا حجاب ذات الألوهية الذي لن يرتفع ابدا ، حجابان في قاب واحد ، فهما إذا حجاب واحد ، ولم يبق هناك اي حجاب إلا هذا الذي لن يرتفع ، اللهم وإلا حجاب ذات النبي عليه السّلام وقد ارتفع أيضا إذ تدلى : فَتَدَلَّى : بيني وبينك إني ينازعني فارفع بلطفك إني من البين إنه بعد أن دنى هكذا إلى اللّه ، تدلى أيضا باللّه فكان مثاله من القوسين : أَوْ أَدْنى فقد انمحى قوس الإمكان ، وتدلى بقوس الرحمان ، فأصبح : « وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى » « 1 » .
--> ( 1 ) . ان الآية من اللف والنشر المرتب ، فكان قاب قوسين إذ دنى ، أو أدنى إذ تدلى ، ف « أو » هذه للترتيب ، لا الإبهام أو التشكيك .