الشيخ محمد الصادقي

401

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

وكما يروى عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « قربني ربي حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى » « 1 » . فالتدلي هو التعلق ، فقد يكون مشوبا وقد يكون محضا خالصا ، وصاحب المعراج بعد أن دنى إلى اللّه خالصا ، كذلك تدلى باللّه خالصا ، متناسيا ما سوى اللّه وحتى نفسه ، متحللا متخليا عن الكائنات إلى رب الكائنات ، وهذا هو الفناء في اللّه ، أن يصبح العبد كأنه لا شيء ، أو انه لا شيء ويرى ربه انه الشيء وليس سواه شيء ، هذا ! لا الذي يدعيه من يتسمون أرباب الكشف والشهود ، ان الفناء في اللّه هو ان يصبح العبد إلها من شدة قربه أو خلطه بربه ، كما يصبح الفحم نارا إذ تشمل كيانه كله ، وهذا إلحاد في اللّه ، ترفيعا للعبد إلى درجة الألوهية ، وتنزيلا للرب إلى منزلة العبودية ! وإنما الحق شعور العبد في سيره إلى اللّه انه لا شيء ، ثم التدلي باللّه وهو مقام أو أدنى ، فكما اللّه أدنى إلينا منا علميا وقيوميا ، فلنكن نحن أقرب اليه منا إلى أنفسنا ، وهذه المرحلة من المعرفة لا تتيسر إلا لصاحب المعراج محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . لقد كان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقبل معراجه - أقرب المقربين إلى اللّه ، لا يحجب بينه وبينه حجاب وهو في الأرض ، إلا أن طبيعة الحال تقتضي في معراج هكذا ، وإلى الأفق الأعلى ، واضعا قدميه على كاهل الكون ، تاركا ما سوى اللّه تحت قدميه وبقالبه ، بعد أن كان تاركا لها بقلبه ، منعزلا وحتى عمن أرسل إليهم ، إن هذه الحالة التجردية تقتضي أن يكون هناك من ربه قاب قوسين أو أدنى ، دون أن يبقى أي حجاب وحتى حجب النور : من صحبته المرسل إليهم ، ومن ممارسته حاجيات الأرض ، ومن نفسه المقدسة ، حيث خرقها كلها متناسيا لها ، فاتصل بمعدن العظمة فرأى ما رأى ، ومن آيات

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان لإسماعيل حقي ج 9 : 219 . ( الفرقان - م 26 )