الشيخ محمد الصادقي
381
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ومن ثم وبعد أن خفت وطأة الاعذار في الربوبية والرسالة ، أو زالت ، هل هناك ثقل آخر يثقلهم عن تصديق الرسول كسؤال الأجر ؟ : أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ؟ . الغرم ما ينوب الإنسان في ماله أو ماله ، من ضرر لغير جناية منه أو خيانة ، والمغرم مصدر ميمى تعني الغرم نفسه . فطالما لم يكن هناك غرم فطري ولا فكري ولا عقلي يثقلهم عن تصديقك ، فهل هنالك غرم مادي لأنك تسألهم أجر الرسالة ، فهو يثقلهم فيثاقلوا عنك ؟ ! كلا : « قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ » ( 6 : 90 ) ف « اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ » ( 36 : 21 ) إذ لا عائق معنويا كالضلال ، ولا ماديا كالأجر ، فما لكم لا تؤمنون ! . ولئن سئلنا : كيف لم يسأل أجرا وقد سأل أكبر الأجر : « قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » ( 42 : 23 ) وقد يكلف جلب المودة في قربى الإنسان أموالا طائلة ؟ فالجواب : إنه ليس في الواقع أجرا يرجع لصالح المأجور وان أتي بلفظ الأجر ، فإنه يرجع لصالح المسؤول دون السائل : « قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ » ( 34 : 47 ) فان المودة في القربى من السبل إلى اللّه : « قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا » ( 25 : 57 ) فهؤلاء القربى الذين جعلت مودتهم كأنها أجر الرسالة إنهم يقربونهم إلى اللّه زلفى ، فمودتهم مودة للرسول ومودة للّه ، وهم استمرارية للرسالة الإسلامية لأنهم السبل إلى اللّه كخلفاء للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فليس الرسول ممن يدخل مودة قرباه في مصالح رسالته لحد الأجر لأنهم قرباه ، وانما لأنهم يمثلونه في رسالته ، فمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا هي استمرارية السبيل المحمدية إلى اللّه ، فالرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يسأله المودة في قرباه فحسب ، لهذه الغاية الراجعة لصالح المسلمين .