الشيخ محمد الصادقي
343
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وهنا التعبير بالفرار لطيف جدا ، وعجيب حقا ، فهو يوحي بالأثقال والأغلال التي تثقل وتغل النفوس البشرية إلى هذه الكائنات الحقيرة الفقيرة ، فتأسرها عن الانطلاق ، ونحصرها في عقال الأوهاق ، وتنسي أخيرا أن لها ربّا ! فلا بد - لكي نتحلل عن أسرها وحصرها - أن نعرفها أولا بالفقر والعدم الذاتي ، ثم نفر بكل ما نملك من سرعة وجلادة ، إلى اللّه الذي خلقها ويفيض لها دائبا ، نفر بأجنحة العقل واللّب والعلم ، مستخدمين كافة الطاقات ، ولكي لا نرجع مغلولين لو تباطانا في السير ، أو أخطأنا المسير ، واللّه هو الولي القدير ، « فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ . . . » : ثم الفرار إلى اللّه درجات ، كما الفرار عنه دركات ، فأولى درجات الفرار إلى اللّه رفض الشركاء والأنداد عنه ، وأشرفها وأولادها الفرار عما سوى اللّه ، وعن نفسك أيضا ، إلى اللّه ، وإلى حد الدنو والتدلي « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى » أن يصبح كله معرفة للّه ، وعبادة للّه ، ناسيا نفسه إلا تذرعا بهما إلى ابتغاء مرضاة اللّه ، ومن صح فراره إلى اللّه صح قراره مع اللّه ، فلا تجد فيه حالة مع من سوى اللّه إلا الفرار ، ومع اللّه إلا القرار . وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ : فتعدد الآلهة يزيف مكانة الألوهية ، ويجعل كلا من الشركاء قرينا وزوجا للآخر ، فيعود الكل محتاجين كالخلق ، نتيجة الزوجية والتعدد : « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا » : الآلهة إلا اللّه ، كما فسدتا الأرض والسماء ، فكيف يكون التركب وازدواجية الكيان دليلا على الفقر والحدوث في غير الآلهة ، وليس فيهم أنفسهم ؟ ! . كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ : قولة كافرة ساخرة مائرة من مكذبي الرسل طوال التأريخ ، كأنهم تواصوا بها