الشيخ محمد الصادقي
301
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ : إحياء مرتان وإماتة مرتان : « قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ » ( 40 : 11 ) : إحياء للحياة الدنيا ثم إماتة عنها ، فهو حي في البرزخ ، ثم إماتة أخرى هي عن الحياة البرزخية « 1 » ومن ثم إحياء للحياة الثالثة الأخرى ، فالبرزخية الوسطي لا تحتاج إلى إحياء ، فإنها تجرّد عن الحياة الدنيا فانتقال إلى الوسطى ، وعلّه هو السر في تقديم الإحياء « نُحْيِي وَنُمِيتُ » هنا ، فلو عنى الإحياء - فقط - في الأخرى لكانت الإماتة هي الأولى كما في اضرابها : « وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا » ( 53 : 44 ) . كما « وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ » هو المرحلة النهائية بعد اثنتين واثنتين ، بعد الإحياء للأخرى ، وكما تشهد لها آياتها الأخرى : « وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ » ( 6 : 36 ) . وترى متى الإحياء مرة أخرى ومن ثم المصير ؟ : يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ ! يوم تتشقق الأرض - الدافنة لهم - عنهم ، وتتكشف عن أجسادهم الرفات ، وعظامهم الذرات ، التي تاهت في سارب الأرض ، تتشقق عنهم حشرا لهم كما خلقوا أوّل مرة ، سراعا إلى الداع دون بطاء : « يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا » ( 20 : 108 ) « يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ . خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ . مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ » ( 54 : 8 ) و « ذلك » البعيد البعيد في ميزانكم « حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ » : غير عسير ، وكل خلق علينا يسير !
--> ( 1 ) . فالإماتة الأولى تزهق الروح عن البدن الدنيوي ثم هي مستمرة في البدن البرزخي ، والإماتة الثانية تزهقها عن البرزخي أيضا وتصعقها في نفسها كذلك ، فالإحياء للأخرى إحياء تام عن الصعقة إلى الحياة الخالدة الأخرى .