الشيخ محمد الصادقي

284

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ : إن واقعة الموت راحة للمؤمنين ، وسكرة وزعجة للفاسقين ، الذين عاشوا حياتهم سكرات : « لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ » ( 15 : 72 ) سكرة فردية لفرادى الأموات ، وجماعية للجماعات كما في النفح الأول : « وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ » ( 22 : 2 ) . وترى كيف يصبح الموت للغافلين سكرة وهو قفزة إلى حياة أخرى ؟ إنه سكرة لانشغال سكراته بنفسه عما سواه ، في رجفة مفاجئة فاجعة تدب في الأوصال ، تفصله عن حياة أنيسة بين شغل وأهل ومال ، إلى حياة بئيسة تعيسة في أهوال وأوحال ، فهل هناك صيغة أدل من « سكرة » على هذه الحال ؟ ! . « وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ » ( 6 : 93 ) غمرات في سكرات ! : الكروب التي تتغشى المحتضر عند الموت فيفقد تمييزه ، ويفارق معه معقوله وكأنه سكران الخمر ! إلا أن هذه منعمة منعشة وتلك مؤلمة موحشة ! . وإنها « جاءت » دون حاجة لأن تجيئها أنت ، فإنك في الموت محتار لا مختار ، وحتى الموت الذي أنت تختار ، فاللّه هو المميت لا أنت ، مهما قدمت نفسك لأسبابه ، ولست بمقدمها - ف « ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ » ! وإنها « سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ » : بسبب القضاء الحق فإنه من قضاء اللّه ، وبإرادة الحق ، فإنه من فعل اللّه ، وهي تصاحب إرادة الحق : « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا . . » ومن ثم الجزاء الحق في رحاب الحق ! « 1 » ! و « ذلك » : البعيد عن رغبتك ، الشديد في رحلتك « ما كنت » طول حياتك الميتة « منه » - فقط - لا سواه « 2 » « تحيد » حيد الفرار .

--> ( 1 ) . فالباء في « بالحق » لكلا السببية والمصاحبة - ثم الأولى أعم من العلة الموجدة والعلة الغائية - فان الغاية من الموت أيضا حق : تأمل . ( 2 ) . يستفاد الحصر من تقديم الظرف « منه » على فعله « تحيد » .