الشيخ محمد الصادقي

285

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

فلا يحيد الحائد عن الحق إلا عن الموت وبواعثه ، لأنه ختام شهواته ، أو بداية عقوباته ، وأما المؤمن ، فالموت أنسه ، وهذه الحياة وحشته ، وعلى حد قول الإمام علي عليه السلام : « والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه » فإنه يأنس بالموت أنسه بالحياة ، حيث بعده حياة أنيسة رفيقة إذ ينتقل إلى الرفيق الأعلى . ثم ومن سكرة الموت ورحلته ، إلى رحلة الحشر وهولته : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ علّها هي النفخة الثانية الإحياء ، أم هي والأولى الإماتة ، وقد يعبر عن نفخة الإحياء بنقر الناقور : « فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ . . » ( 74 : 8 ) فالصور بوق لا كالأبواق ، كما ونفختها لا تشبه النفخات « 1 » فإنها صيحة الحق والصيحة بالحق في نداء من مكان قريب ، كما وتأتي من قريب : « وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ . يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ » ( 5 : 42 ) « ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ » : وعيد العذاب على الكافرين ، كما هو وعد الثواب للمؤمنين . وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ : إنه لا بد لكل نفس هناك من سائق وشهيد ، إلا من هو شهيد على كل نفس ، سائق يسوقها إلى محشرها ، وشاهد يشهد عليها بعملها ، فإما إلى جنة أو إلى نار : « وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً . . » ( 39 : 71 ) « وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً . . » ( 70 ) . وأيا كان ف « إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ » ( 75 : 30 ) سوقا إلى جزاءه العدل أو الفضل بربوبيته ، إلا أن آية « كُلُّ نَفْسٍ » سيقت لأهل النار . وليس الشهيد إلا عند سوقهم فرادى ، للشهادة والحكم « وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ . . » ومن ثم السائق ولا شهيد في سوقهم الجماعي زمرا : « وسيق . . وسيق . . زمرا » .

--> ( 1 ) . راجع سورة النبأ ج 30 ص 34 .