الشيخ محمد الصادقي

18

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

وليس التطاول والتغالي في أنهم يعلمون الغيب كله الا تماديا في الضلال ، وتغاضيا عما تصرح به هذه الآيات البينات ، وإذ لا يتبع الرسول الا ما يوحى اليه ، فأحرى بنا ان نتبع بشأنه ما أوحي اليه ، ولقد أوحي في عشرات من آياته البينات انه - مبدئيا - لا يعلم الغيب : « فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً » : يعني من الغيب المستثنى الوحي الرسالي ولزاماته . وكما انني لست بدعا من الرسل بينهم ، كذلك لست بدعا بين المرسل إليهم ، فأهل الكتاب الذين يتلونه حق تلاوته يعرفونني وكتابي ، فلو ان الأدلة المسبقة لم توصلكم إلى العلم اليقين ، فلا أقل من الشك انه من عند اللّه ثم يكمله شهادة شاهد منكم : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ترى من هم المخاطبون في « أرأيتم . . وكفرتم . . واستكبرتم » ؟ ومن هو الشاهد من بني إسرائيل ؟ وما هو المشهود عليه « على مثله » ؟ . علّ المخاطبين هم كافة الناكرين للرسالة الاسلامية ، من مشركين وكتابيين ، زمن الرسول وبعده إلى يوم الدين ، وان كان المنطلق الأول لهذا الخطاب كأمثاله هم المعاصرين لصاحب الرسالة . و « وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ » علّه جنس الشاهد ، من جنود الشهود الإسرائيليين ، من نبيين وسائر المؤمنين الشاهدين ، قبل الرسول وزمنه وإلى يوم الدين : مثلث الشهادة الصادقة الصارمة ، من زاويته الأصيلة : النبيين الإسرائيليين ، منذ موسى وحتى المسيح ومن بينهما ( ع ) إذ شهدوا في كتاباتهم « على مثله » : مثل القرآن ، كهذه الكتب أنفسها ، أو مثل نبي القرآن كما يشهد به النبيون أنفسهم ،