الشيخ محمد الصادقي
82
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
المعفوة بأسبابه ؟ فالجواب أن الجزاء هو العمل الذي يبقى مع الإنسان إلى يوم البقاء ، دون الحابط المعفو ، فالتائب عن الذنب كمن لا ذنب له ، كما الحابطة حسناته لا حسنات له ! ثم إنّ العمل أيّا كان فهو محدود بحدود ، فالجزاء الذي هو العمل كذلك محدود بحدود ، ومهما خرج الثواب عن حدود « ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » فإنما هو بفضل اللّه ، فقولة القائلين بالعذاب لغير النهاية للخالدين المؤبدين فرية ظالمة هاتكة لساحة رب العالمين وارحم الراحمين ، ولقد بيناها في طيات آياتها كرارا ومدرارا . « ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » في بعدية جانحة وجارحة ، فإنه في باطن ملكوته يوم الملكوت هو الجزاء ، فليس الجزاء العقاب يومئذ انتقاما ، بل هو ظهور ما كان خفيا في عالم الخفاء ويصبح حليا في عالم الظهور : « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » وعلى حد المروي عن الرسول ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) : ( إنما هي أعمالكم ترد عليكم ) فأهل العذاب : « يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ » ( 29 : ) 54 ) وهم في الدنيا ، في غفلة عنها ، ثم ويحيط بهم وهم يحرقون بها ! وأهل الثواب : « فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » ( 32 : 17 ) ولا إخفاء إلّا لكائن حاله ، ولا خفاء في الدار الآخرة حيث ترى نفس كل جزاءه بالحسنى ، فإنما الخفاء هنا ، فالصورة الجلية للصالحات أتعاب وحرمانات ، ثم الصورة المخفية ثواب ورحمات « جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » يحمله العمل بملكوته ! . لقد طويت الحوار حول يوم القرار في سرعة خاطفة عاطفة تلك المشاهد الثلاثة ببعض ، متخطية إلى حالات لكل من أصحاب الجنة وأصحاب النار :