الشيخ محمد الصادقي
274
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ولان النبأ هو خبر ذو فائدة عظيمة ، فما أعظم عظيمه ، ولكن حماقى الطغيان هم عنه معرضون ! ثم « إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ » يحصر كيانه الرسالي في الإنذار كتكليف عام للرسول بالنسبة للعالمين أجمعين ، وكونه بشيرا يختص بمن يتأثر بالإنذار . إذا ف « ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ » تخلّ له عن علم الغيب إلّا ما يوحى إليه : « إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ » . « بِالْمَلَإِ الْأَعْلى » نجده هنا ، وثانية في الصافات : « لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ » ( 8 ) . ولأن « الأعلى » هنا أفعل مطلق ، فملأه أعلى بصورة مطلقة مكانة أو ومكانا ، وهم أمناء الوحي تكوينا وتشريعا من الكروبيين . فقبل أن ينزلوا الوحي من قبل اللّه على الرسول « ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى » ولكنه يعلم بما يوحى قدر ما يوحى ، أترى ذلك الملأ أعلى حتى من الرسول الذي « دَنا فَتَدَلَّى . فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى » ؟ كلّا ! حيث الأعلى مكانا ليس هو الأعلى مكانة ، والرسول وهو « أَوَّلُ الْعابِدِينَ » لا ريب أنه أعلى من كل أعلى إلّا ربه الأعلى ! ولأن الرسول ليس ملأ كشخص ، ف « الملأ الأعلى » غير مفضلين عليه ، إلّا على سائر الملإ ، وحتى إذا كان ملأ فهو مستثنى عن مطلق الأعلى . وترى فيم كانوا يختصمون ؟ قد يكون هو الاختصام في خلق الإنسان : « إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ . . . » ولكن اين هنا الاختصام إلّا بين إبليس وربه ؟ وليس الرب من الملإ ، ولا إبليس من ملاء عال فضلا عن الأعلى .