الشيخ محمد الصادقي
149
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ( 34 ) أصيلين وفرعيين ، دون أن نعذر الآخرين لأنهم مستضعفون ، فإنهم كالأولين ظالمون ، وكلّ يلقى أثامه كما ظلم قدره ، ولا يظلمون فتيلا . والمجرمون في اصطلاح القرآن هم الكفار الناكرون لتوحيد المبدء والمعاد حيث أجرموا الحياة وقطعوها عن أصلها واثّاقلوا إلى الحياة الدنيا وزينتها : إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ( 35 ) استكبارا عن توحيد اللّه وتخاذلا في الإشراك باللّه مستهينين برسول اللّه ، ويكأن شركائهم أعظم من اللّه وأكرم : يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ( 36 ) يعتبرون الدعوة إلى التوحيد شعرا وجنّة ، فالدعوة إلى الشرك نثر وعقليّة ، تسميه للشيء باسم ضده ، وتحويلا لحق اللّه إلى ندّه . بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ( 37 ) . لا هو شاعر ولا مجنون فيما يحمل من دعوة الرسالة ، فإنها حق بما تملك من بينات ، وبما صدق المرسلين فيما أرسلوا به ، فهل الرسل كلهم شعراء ومجانين رغم كافة البراهين ، ثم أنتم بشركائكم عقلاء « فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ . لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ » « لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ » . فما دواؤكم بعد ذلك الداء العضال إلّا : إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ ( 38 ) . وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 39 ) . ليس عذابكم الأليم إلّا جزاء لكم ، وليس الجزاء إلّا أعمالكم ، فإنها تبرز يوم تبلى السرائر بحقائقها الشريرة .