الشيخ محمد الصادقي

321

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

ذاتية الفقر إلى ذاتية الغنى وبأحرى المعاكسة ، فإنما « أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » ! والفقر والغنى وصفان للكائن ، فلا يقال للمعدوم المطلق فقير ، وآية الفقر تقرر أصل الفقر للإنسان ، وتعلقه في فقره باللّه وإلى اللّه ، فالفقير الذات وفي الأفعال والصفات بحاجة ضرورية إلى غني في كافة الجهات والحيثيات ، فلولا ان هناك كائنا غني الذات ، لما كان للفقير كون ، أم لو لم يكن حميدا لم يكن للفقير ما يكفيه به ويغنيه ، ولولا أنه حميد لم يقرر مصير الحساب يوم الحساب ، فهو غني حميد في غناه في النشأتين . إذا ففي فقر الكائنات من حيث الذات دليل لا مرد له على وجود كائن غني الذات ، وإلا فأين وجودات الممكنات ، حيث الافتقار في أصل الذات وحاقها دليل الحدوث ، فمن ذا الذي أحدثها إلّا أزلي الذات وغنيها ؟ . وتجد في آية الذاريات ( 49 ) أعمق البراهين للفقر الذاتي في الكائنات كلها ، حيث الزوجية هي كيان كل كائن سوى اللّه : « وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ » « 1 » ! . ومهما كان في الكون غنى نسبية لكائن امام الآخر ، فهما في الفقر إلى اللّه سواء ، كما وهما في أصل الفقر سواء ، فأنت الغني في المال بحاجة إلى فقير العمال كما الفقير المال بحاجة إليك في المال ، فلكلّ فقر من جهة وغنى نسبية من أخرى ، وهما في غناهما فقيران إلى اللّه الذي اغناهما ! أنت ساكن فقير صغير من سكان هذه الأرض ، وهي تابعة صغيرة من

--> ( 1 ) . راجع الفرقان لتفسير الآية بقول فصل كاعمق البراهين لاثبات وجود اللّه .