الشيخ محمد الصادقي

299

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 2 ) . ان اللّه تعالى - بملائكته العمال - هو الفاتح لرحمة ، وهو الممسك لها لا سواه ، فلا تجعلوا للّه الأبدال الأمثال ! وليست خزائن رحمته إلّا ملكه في ملكه : « قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ » ( 17 : 100 ) « أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ » ( 38 : ) 9 ) إذا فلا فاتح لها إلّا هو ، ولا ممسك لها بعد فتحها أم قبله إلّا هو ! و « من رحمة » تستغرق كل رحمة مادية وروحية ، تدفقا على من يشاء ، أو إغاضة عمن يشاء ، « وَهُوَ الْعَزِيزُ » في فتحها وإمساكها ، إذ لا ممسك لها ولا مرسل « من بعده » إرسالا وإمساكا « الحكيم » فيهما ، فتحا بحكمة وإمساكا بحكمة دونما فوضى جزاف ! هنالك تنقطع عن شبهة كل حول وكل قوة إلّا باللّه ، حيث تغلق كل الأبواب إلّا باب اللّه ، فلا تدق من الأبواب إلّا باب اللّه . فكل نعمة يمسكها اللّه تنقلب نقمة ، وكل نقمة تحفها رحمة اللّه تنقلب نعمة ، فقد تنام على شوك برحمة اللّه فإذا هو مهاد ، أو تنام على حرير وقد أمسكت عنك رحمته فإذا هو شوك القتاد ! ترى يوسف في غياهب السجن هو في رحمة اللّه حيث يبتعد هناك عن سخط اللّه : « رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ » وهناك العزيز وامرأته في نعمة البلاط وهما في نقمة اللّه ، وكما ظهرت لهما بعد ردح من الزمن . هنالك رحمات والطاف خفية إلهية لا يدركها إلّا أهلوها ، خليطة باشواك ، ظاهرة بمظهر الهلاك ، ولكنها باطنها فيها الرحمة وظاهرها من قبلها العذاب !