الشيخ محمد الصادقي
256
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
يثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد ، فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج فأنزل اللّه « قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ . . . » « 1 » وهكذا التسلل عن الجهاد أماذا ، ويا لحقارة الجبن والذل في هذه الحركة البئيسة التعيسة ، فإن كان عين الرسول لا تراهم فاللّه يراهم ! وهذا تخلف عن أمر النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) « فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » تحذير رهيب وإنذار رعيب على من يخالفون عن أمره : الرسول ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) ، ولماذا « عن أمره » والأمر مقابل النهي ، ومخالفتهما محظور على سواء لا الأمر فقط ، والآية تجمعهما نهيا : لم يذهبوا - وأمرا : حتى يستأذنوه ! ثم وهذا الأمر لا يتعدى إليه ب « عن » بل « يخالفون أمره » ! علّه لأن « أمره » هنا يعني أمره الجامع ، والمخالفة عن أمره الجامع هي الخروج عنه دون إذن ، وهو مخالفة النهي : الخروج - والأمر : وجوب الاستئذان ، وليس مخالفة كل أمره تخلّف فتنة وعذابا أليما ، وأنما أمره الجامع لمصالح المسلمين ، فكلما كان الآمر أعلى محتدا ، والأمر أعلى مصلحة ملزمة ، كان التخلف عنه أشد فتنة وعذابا أليما ، فتنة تضطرب فيها المقاييس وتختل الموازين وينتكص النظام فيختلط الحق بالباطل والطيب بالخبيث والشاغل بالعاطل ، وتفسد أمور الجماعة وحياتها ، فهي فتنة شقاء للمجموعة حيث التخلف عن أمر جامع يضر بالمجموعة .
--> ( 1 ) . الدر المنثور 5 : 61 واخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل قال : كان لا يخرج أحد لرعاف أو احداث حتى يستأذن النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) يشير إليه بإصبعه التي تلي الإبهام فيأذن له النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) يشير إليه بيده ، وكان من المنافقين من يثقل عليه . . .