الشيخ محمد الصادقي
196
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وصهرا » ( 25 : 54 ) ولكنه - كما الماء المادة الأولى - ليس الماء المعروف ، بل « ماءٍ دافِقٍ » ( 86 : 6 ) و « ماءٍ مَهِينٍ » ( 32 : 8 ) . فماء الكون أجمع يشمل ماء كل حي وسواه ، وماء الحياة يشمل كل دابة وسواها من حي ، مياه ثلاثة أولاها المادة الامّ ، وثانيتها مادة الحياة ، وثالثتها مادة الدواب ، أترى أن الأخيرين واحد هو الماء ، فلما ذا خصت هنا كل دابة دون كل حي كما هناك ؟ علّه لأن ماء الدواب هو المني مهما كان أصله الماء ، وأما الملائكة فلا مني في خلقهم إذ لا تناسل بينهم ، وأما الطير فهي وإن كانت من ماء المنى ، ولكنها - إلّا ما شذ - تخلق من بيض مهما حصلت من مني ، وأما الدواب فلا بيض في خلقها إلا توالدا من مني يمنى ! فأحياء الكون من دابة وسواها مخلوقة من ماء ككلّ ، ولكنما الدواب تخلق من ماء المني مهما كان أصله الماء ، دون غير الدواب إلّا نذرا . وقد تلمح التنكر في « من ماء » أنه غير الماء الذي جعل منه كل حيّ أو يعمه ، كما التعريف في « من الماء » لمحة إلى أنه الماء المعروف ، أن جعل كل حي منه كما أن بقاءه به ! ثم « خلق » هنا و « جعلنا » هناك لمحة ثانية إلى الفرق بين المائين ، فالخلق هو التقدير ، والجعل البسيط كما هنا هو الإيجاد ، فقد قدر كل دابة ولادة من ماء ، كما جعل كل حيّ - تكوينا يعم الولادة - من الماء ! فالأحياء ذات أصل واحد هو الماء ، والدواب ذات أصل واحد من ماء ، والكل مع سائر الكون ذو أصل واحد سمي ماء هو المادة الأم ، فلا أصل للكون أيا كان إلّا مثلث الماء ، فلا مجرد عن المادة إلّا خالق الكون ! والكون بروحه وجسمه ينتهي إلى الماء إذ « كانَ عَرْشُهُ » في خلق السماوات والأرض بما هما الكون المخلوق أجمع ، كان « عَلَى الْماءِ » : المادة