الشيخ محمد الصادقي

183

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

لحضور الرب « فَوَفَّاهُ حِسابَهُ » في حسبانه بعمله الحابط « وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ » دون تباطئ في أصل الحساب ، ليس « فوجد الله عنده » وجدانا له بإدراك حسي فما فوقه ، إنما وجدانا لحضوره حيث لا يجدون موئلا سواه ، وقد كانوا غيّبا عنه يوم الدنيا فهم في غفلة منه وغفوة يعملون ما يشاءون كأن لا إله ، ثم كشف عنهم غطاءهم يوم الأخرى فوجدوا اللّه عند أعمالهم بسرابها حاضرا حاذرا موفيا حسابهم سريعا دون إمهال ! . فلأن أعمال الذين كفروا لا تهدف إلّا شهوات الحياة الدنيا وزهواتها ، وهم يزعمونها هادفة نافعة رغم أنها حابطة زائفة زاهقة ، فهي إذا كسراب بقيعة الدنيا ، يحسبه ظمآنها ماء الحياة رغم أنها بلاء الممات ، وهو يعيش ذلك الحسبان البعيد البعيد ما دام غارقا في تلكم اللذات وحياة الخيالات ، فهو من « الأخسرين أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً » ( 18 : 104 ) « حَتَّى إِذا جاءَهُ » إذ جاءت سكرة الموت ، فيرى من أعماله غير ما كان يراه إذ كانت على بصيرته غطاء : « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » ( 50 : 22 ) « لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً » في واقعه ، رغم ما وجده أصل الحياة في حسبانه « وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ » : عنده نفسه وعند عمله الحابط الهابط ، فلا يملك هنالك أحد شيئا إلّا اللّه : « لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ » « فَوَفَّاهُ حِسابَهُ » خلاف حسبانه « وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ » رغم ما كان يحسبه ألّا حساب لا بطيئا ولا سريعا ! . فأعمال الذين كفروا حابطة « فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ » ( 3 : 217 ) . وهي عليهم حسرة يوم يرونها كما هيه : « كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ » ( 2 : 167 ) فإن « أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ