الشيخ محمد الصادقي

320

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

فأراد ان يشرك أبصارهم ببصائرهم ، وحواسهم مع أفئدتهم علّهم إلى رشدهم يثوبون وعن غيّهم يتوبون : فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ 58 . خلى الجو من رصد العيون ، فدلف إلى أصنامهم فوجد باحة قد اكتظت بالتماثيل وانتشرت في ارجائها الأصنام فخاطبها محتقرا لشأنها « ألا تأكلون ! ما لكم لا تنطقون » وأنّى للحجارة ان تأكل أو تنطق ، فأخذ يلطمها بيده ويركلها برجله وتناول فأسا وهوى عليها يكسرها ويحطمها حتى جعلها جذاذا الا كبيرا لها في أجسادها ، ليجعلها جذاذا في قلوب عابديها بذلك الواقع ، بعد ان جعلها جذاذا من ذي قبل ب « ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ » جذاذات ثلاث تجتث جذور الخرافة الشركية لو كانوا يعقلون . فلقد كاد أصنامهم ب « إِنِّي سَقِيمٌ . فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ » حي خلى الجو لما اعتزم ، ثم جعلهم جذاذا : قطعا مكسورة مفتّتة مهشّمة « إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ » يرأسهم كأنه إله الآلهة « لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ » حيث الموقف يتطلب رجوعا إلى كبيرهم كمتّهم في جعلهم جذاذ فيسألونه كيف وقعت الواقعة وهو حاضر فلم يدفع عن صغار الآلهة ، أم هو الذي جعلهم جذاذا ليبقى في الميدان وحده كما هو قضية الحال في تعدد الآلهة لو كانوا يشعرون : « ولعلى بعضهم على بعض » ! ثم رجوعا إلى إبراهيم الذي تركوه لحاله وهو المتهم الثاني إذ لا حول ولا قوة لكبيرهم ، ومن ثم رجوعا إلى اللّه بعد انتباهة هنا وهناك ، وضمير المفرد الغائب في « اليه » يتحمل الرجوع إلى كلّ من الثلاثة على الأبدال ، حيث الكل من بنود الرجاء لإبراهيم وقد حصل على الأولين تماما ، وعلى الأخير بعضا حيث زلزل أركان تقاليدهم العمياء .