الشيخ محمد الصادقي

28

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

وقد يعني « السر » ما هو سر عنك كما عن غيرك حيث أنسيته ، ثم « أخفى » ما لم تعلمه بعد ، وما لن تعلمه ، حيث السرّ هو الكائن السرير ، فالأخفى هو غير الكائن الذي بالإمكان كونه بعد أم لا ، وعوان بين السرّ والجهر هو النجوى ، فإنه جهر لمن تناجيه وسر عن سواه ، وهي هنا مشمولة للسرّ ، وان كان مع النجوى كالظرف والمجرور إذ اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا : « أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ » ( 43 : 80 ) « أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ » ( 9 : 78 ) . فلأن الآية في مقام عرض العلم المحيط ، لم تكن الأخفى لتختص بما سوف تعلمه أو تويه أو تفعله ، بل وما لن تعلمه من الحقائق الكائنة في الكون ، بل وغير الكائنة كوّنت بعد أم لم تكوّن ، كما السر لا يختص بغير النجوى ، إذا فالسرّ هو دون الجهر من القول من نجوى يسمعها صاحبها ، ومن إخفات تسمعه في نفسك وقد يسمعه غيرك ، أم إخفات لا تسمعه في نفسك وانما تعلمه وهو النية السريرة . ومثلث العلم للّه : جهرا وسرا وأخفى ، هي المواطن الثمانية ، 1 - جهرا ، 2 - دون الجهر نجوى ، 3 - إخفاتا قد يسمعه غيرك ، 4 - إخفاتا لا يسمعه غيرك وتسمعه في نفسك ، 5 - أم لا تسمعه ، 6 - وسرا عن نفسك ما كنت تعلمه ثم أنسيته ، 7 - أم لم تكن تعلمه وبالإمكان ان تعلمه ، 8 - أم ليس بالإمكان ان تعلمه . فهذه الآية تتكفل عرضا موجزا عن عرش العلم في مواطنه الثمانية كما آية الثرى عرضت عرش الملكية المالكية المطلقة ، فهما إذا تفسيران لعرش الرحمن « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » . ومن ثم الأسماء الحسنى لذي العرش الواحد القهار ، عرضا لوحدة