الشيخ محمد الصادقي
182
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ » أنني عرفت من بطلان هذه الرسالة ما لم يعرفه هؤلاء ، ولكي أبيّن لهم ضلالهم جئتهم من حيث يعرفون « فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ » وهو شطر من سنته ثم « نبذتها » إلغاء لها لأزلزل من أركان ايمانهم المزعزعة في نفسها ، أم « نبذتها » خلطا لها بباطل من عندي ثم أظهرت حقها بمظهر الباطل والباطل بمظهر الحق . ونفس النبذ هنا - دون القذف - خلاف ما هناك - وأنه رفض بعد القبض - مما يدل على أنه تضليل بعد تدليل : « قبضت فنبذت » فالقبض هو الأخذ قبولا وتصديقا ، والنبذ هو الرفض تكذيبا ، وهذه هي أضل طرق الإضلال ان يقبض من اثر الرسول كمصدق له ، ثم ينبذ ويرفض نفس المقبوض تكذيبا وكما كان يفعله الدجالون : « آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » ( 3 : 72 ) . ولو كان المنبوذ هنا هو المقذوف هنا لك أم الملقى هناك لكان قذفتها أم ألقيتها « 1 » والنبذ صريح في الرفض دون الإلقاء والقذف ، فقد قذفوا حليّهم بإلقائه « فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ » ومن قبل قبض قبضة من اثر الرسول فنبذها تهوينا لايمانهم ، فلو ظلوا على ايمانهم ما ضلوا
--> ( 1 ) . لم يأت النبذ في القرآن الا بمعنى الرفض ك « نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ » ( 2 : 101 ) « فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ » ( 28 : 40 ) « أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ » ( 2 : 100 ) « فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا » ( 3 : 187 ) « كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ » ( 104 : 4 ) . وفيما جاء النبذ في غير المرفوض فهو نائب مناب المرفوض مثل يونس « فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ » ( 37 : 145 ) و « لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ » ( 68 : 49 ) وكما مريم « إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا » ( 19 : 16 ) تباعدا عنهم لما وجدت من نفسها نبذا ورفضا لما حملت .