الغزالي
83
إحياء علوم الدين
مسألة : قال الحارث المحاسبي رحمه الله ، لو كان له صديق أو أخ ، وهو يأمن غضبه لو سأله فلا ينبغي أن يسأله لأجل الورع . لأنه ربما يبدو له ما كان مستورا عنه ، فيكون قد حمله على هتك الستر . ثم يؤدى ذلك إلى البغضاء . وما ذكره حسن . لأن السؤال إذا كان من الورع لا من الوجوب ، فالورع في مثل هذه الأمور الاحتراز عن هتك الستر ، وإثارة البغضاء أهم . وزاد على هذا فقال ، وإن را به منه شيء أيضا لم يسأله ، ويظن به أنه يطعمه من الطيب ويجنبه الخبيث . فإن كان لا يطمئن قلبه إليه فيحترز متلطفا ، ولا يهتك ستره بالسؤال . قال لأني لم أر أحدا من العلماء فعله . فهذا منه مع ما اشتهر به من الزهد ، يدل على مسامحة فيما إذا خالط المال الحرام القليل . ولكن ذلك عند التوهم لا عند التحقق . لأن لفظ الريبة يدل على التوهم بدلالة تدل عليه ، ولا يوجب اليقين . فليراع هذه الدقائق بالسؤال مسألة : ربما يقول القائل أي فائدة في السؤال ممن بعض ماله حرام ، ومن يستحل المال الحرام ربما يكذب . فإن وثق بأمانته ، فليثق بديانته في الحلال . فأقول مهما علم مخالطة الحرام لمال إنسان ، وكان له غرض في حضورك ضيافته ، أو قبولك هديته ، فلا تحصل الثقة بقوله ، فلا فائدة للسؤال منه ، فينبغي أن يسأل من غيره . وكذا إن كان بياعا ، وهو يرغب في البيع لطلب الربح ، فلا تحصل الثقة بقوله إنه حلال ، ولا فائدة في السؤال منه ، وإنما يسأل من غيره . وإنما يسأل من صاحب اليد إذا لم يكن متهما . كما يسأل المتولي على المال الذي يسلمه أنه من أي جهة . وكما سأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عن الهدية والصدقة . فإن ذلك لا يؤذى ، ولا يتهم القائل فيه . وكذلك إذا اتهمه بأنه ليس يدرى طريق كسب الحلال ، فلا يتهم في قوله إذا أخبر عن طريق صحيح . وكذلك يسأل عبده وخادمه ليعرف طريق اكتسابه . فهاهنا يفيد السؤال . فإذا كان صاحب المال متهما ، فليسأل من غيره . فإذا أخبره عدل واحد قبله . وإن أخبره فاسق يعلم من قرينة حاله أنه لا يكذب حيث لا غرض له فيه ، جاز قبوله . لأن هذا أمر بينه وبين الله تعالى . والمطلوب ثقة النفس . وقد يحصل من الثقة بقول فاسق ما لا يحصل بقول عدل في بعض الأحوال . وليس كل من فسق يكذب