الغزالي
84
إحياء علوم الدين
ولا كل من ترى العدالة في ظاهره يصدق . وإنما نيطت الشهادة بالعدالة الظاهرة لضرورة الحكم . فإن البواطن لا يطلع عليها . وقد قبل أبو حنيفة رحمه الله شهادة الفاسق . وكم من شخص تعرفه ، وتعرف أنه قد يقتحم المعاصي ، ثم إذا أخبرك بشيء وثقت به . وكذلك إذا أخبر به صبي مميز ممن عرفته بالتثبت ، فقد تحصل الثقة بقوله ، فيحل الاعتماد عليه . فأما إذا أخبر به مجهول لا يدرى من حاله شيء أصلا ، فهذا ممن جوزنا الأكل من يده . لأن يده دلالة ظاهرة على ملكه . وربما يقال إسلامه دلالة ظاهرة على صدقه ، وهذا فيه نظر . ولا يخلو قوله عن أثر ما في النفس . حتى لو اجتمع منهم جماعة تفيد ظنا قويا ، إلا أن أثر الواحد فيه في غاية الضعف . فلينظر إلى حد تأثيره في القلب . فإن المفتي هو القلب في مثل هذا الموضع . وللقلب التفاتات إلى قرائن خفية يضيق عنها نطلق النطق . فليتأمل فيه ويدل على وجوب الالتفات إليه ما روى عن عقبة بن الحارث ، أنه جاء إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] فقال ، إني تزوّجت امرأة فجاءت أمة سوداء ، فزعمت أنها قد أرضعتنا وهي كاذبة . فقال « دعها » فقال إنها سوداء يصغر من شأنها . فقال عليه السلام « فكيف وقد زعمت أنّها قد أرضعتكما ، لا خير لك فيها ، دعها عنك » وفي لفظ آخر « كيف وقد قيل » ومهما لم يعلم كذب المجهول ، ولم تظهر أمارة غرض له فيه ، كان له وقع في القلب لا محالة فلذلك يتأكد الأمر بالاحتراز : فإن اطمأن إليه القلب ، كان الاحتراز حتما واجبا مسألة : حيث يجب السؤال ، فلو تعارض قول عدلين تساقطا . وكذا قول فاسقين . ويجوز أن يترجح في قلبه قول أحد العدلين أو أحد الفاسقين . ويجوز أن يرجح أحد الجانبين الكثرة أو بالاختصاص بالخبرة والمعرفة . وذلك مما يتشعب تصويره مسألة : لو نهب متاع مخصوص ، فصادف من ذلك النوع متاعا في يد إنسان وأراد أن يشتريه واحتمل أن لا يكون من المغصوب . فإن كان ذلك الشخص ممن عرفه بالصلاح ، جاز الشراء وكان تركه من الورع . وإن كان الرجل مجهولا لا يعرف منه شيئا ، فإن كان تكثر نوع ذلك