الغزالي
82
إحياء علوم الدين
أسقطناه بعلامة اليد والإسلام ، حتى لو لم يعلم أنه مسلم وأراد أن يأخذ من يده لحما من ذبيحته ، واحتمل أن يكون مجوسيا ، لم يجز له ما لم يعرف أنه مسلم . إذ اليد لا تدل في الميتة ، ولا الصورة تدل على الإسلام ، إلا إذا كان أكثر أهل البلدة مسلمين ، فيجوز أن يظن بالذي ليس عليه علامة الكفر أنه مسلم ، وإن كان الخطأ ممكنا فيه . فلا ينبغي أن تلتبس المواضع التي تشهد فيها اليد والحال بالتي لا تشهد مسألة : له أن يشترى في البلد دارا ، وإن علم أنها تشتمل على دور مغصوبة . لأن ذلك اختلاط بغير محصور . ولكن السؤال احتياط وورع . وإن كان في سكة عشر دور مثلا ، إحداها مغصوب أو وقف ، لم يجز الشراء ما لم يتميز . ويجب البحث عنه . ومن دخل بلدة وفيها رباطات خصص بوقفها أرباب المذاهب ، وهو على مذهب واحد من جملة تلك المذاهب ، فليس له أن يسكن أيها شاء ، ويأكل من وقفها بغير سؤال ، لأن ذلك من باب اختلاط المحصور ، فلا بد من التمييز ، ولا يجوز الهجوم مع الإبهام ، لأن الرباطات والمدارس في البلد لا بد أن تكون محصورة . مسألة : حيث جعلنا السؤال من الورع ، فليس له أن يسأل صاحب الطعام والمال إذا لم يأمن غضبه . وإنما أوجبنا السؤال إذا تحقق أن أكثر ماله حرام ، وعند ذلك لا يبالي بغضب مثله ، إذ يجب إيذاء الظالم بأكثر من ذلك . والغالب أن مثل هذا لا يغضب من السؤال : نعم : إن كان يأخذ من يد وكيله أو غلامه أو تلميذه أو بعض أهله ممن هو تحت رعايته ، فله أن يسأل مهما استراب ، لأنهم لا يغضبون من سؤاله ، ولأن عليه أن يسأل ليعلمهم طريق الحلال . ولذلك سأل أبو بكر رضي الله عنه غلامه ، وسأل عمر من سقاه من إبل الصدقة ، وسأل أبا هريرة رضي الله عنه أيضا لما أن قدم عليه بمال كثير ، فقال ويحك ! أكل هذا طيب ! من حيث إنه تعجب من كثرته ، وكان هو من رعيته . لا سيما وقد رفق في صيغة السؤال . وكذلك قال علي رضي الله عنه ، ليس شيء أحب إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه ولا شيء أبغض إليه من جوره وخرقه