الغزالي

195

إحياء علوم الدين

وقال الجنيد : ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتشم ، إلا لعلة في أحدهما . وقال علي عليه السلام : شر الأصدقاء من تكلف لك ، ومن أحوجك إلى مداراة ، وألجأك إلى اعتذار . وقال الفضيل : إنما تقاطع الناس بالتكليف ، يزور أحدهم أخاه فيتكلف له ، فيقطعه ذلك عنه . وقالت عائشة رضي الله عنها : المؤمن أخو المؤمن ، لا يغتنمه ولا يحتشمه . وقال الجنيد : صحبت أربع طبقات من هذه الطائفة ، كل طبقة ثلاثون رجلا حارثا المحاسبي وطبقته ، وحسنا المسوحى وطبقته ، وسريا السقطي وطبقته ، وابن الكريبي وطبقته . فما تواخى اثنان في الله ، واحتشم أحدهما من صاحبه أو استوحش ، إلا لعلة في أحدهما . وقيل لبعضهم : من نصحب ؟ قال من يرفع عنك ثقل التكلف ، وتسقط بينك وبينه مئونة التحفظ . وكان جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما يقول : أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه . وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي . وقال بعض الصوفية : لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده ببر ، ولا تنقص عنده بإثم ، يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواء . وإنما قال هذا لأن به يتخلص عن التكلف والتحفظ . وإلا فالطبع يحمله على أن يتحفظ منه إذا علم أن ذلك ينقصه عنده وقال بعضهم : كن مع أبناء الدنيا بالأدب ، ومع أبناء الآخرة بالعلم ، ومع العارفين كيف شئت . وقال آخر : لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت ، ويعتذر إليك إذا أسأت ويحمل عنك مئونة نفسك ، ويكفيك مئونة نفسه . وقائل هذا قد ضيق طريق الأخوة على الناس ، وليس الأمر كذلك . بل ينبغي أن يؤاخي كل متدين عاقل ، ويعزم على أن يقوم بهذه الشرائط ، ولا يكلف غيره هذه الشروط ، حتى تكثر إخوانه . إذ به يكون مواخيا في الله ، وإلا كانت مواخاته لحظوظ نفسه فقط . ولذلك قال رجل للجنيد : قد عز الإخوان في هذا الزمان . أين أخ لي في الله ؟ فأعرض الجنيد حتى أعاده ثلاثا . فلما أكثر قال له الجنيد : إن أردت أخا يكفيك مئونتك ، ويتحمل أذاك ، فهذا لعمري قليل . وإن أردت أخا في الله ، تحمل أنت مئونته ، وتصبر على أذاه ، فعندي جماعة أعرفهم لك . فسكت الرجل واعلم أن الناس ثلاثة : رجل تنتفع بصحبته ، ورجل تقدر على أن تنفعه ولا تتضرر به ولكن لا تنتفع به ، ورجل لا تقدر أيضا على أن تنفعه وتتضرر به ، وهو الأحمق أو السيئ الخلق . فهذا الثالث ينبغي أن تتجنبه . فأما الثاني فلا تجتنبه ، لأنك تنتفع في الآخرة