الغزالي

196

إحياء علوم الدين

بشفاعته وبدعائه ، وبثوابك على القيام به . وقد أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام إن أطعتنى فما أكثر إخوانك . أي إن واسيتهم واحتملت منهم ولم تحسدهم . وقد قال بعضهم : صحبت الناس خمسين سنة ، فما وقع بيني وبينهم خلاف . فإني كنت معهم على نفسي . ومن كانت هذه شيمته كثر إخوانه . ومن التخفيف وترك التكلف أن لا يعترض في نوافل العبادات . كان طائفة من الصوفية يصطحبون على شرط المساواة بين أربع معان . إن أكل أحدهم النهار كله لم يقل له صاحبه صم . وإن صام الدهر كله لم يقل له أفطر . وإن نام الليل كله لم يقل له قم . ولمن صلى الليل كله لم يقل له نم . وتستوي حالاته عنده بلا مزيد ولا نقصان . لأن ذلك إن تفاوت حرك الطبع إلى الرياء والتحفظ لا محالة . وقد قيل : من سقطت كلفته ، دامت ألفته . ومن خفت مئونته ، دامت مودته . وقال بعض الصحابة : إن الله لعن المتكلفين . وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « أنا والأتقياء من أمّتى برآء من التّكلَّف » وقال بعضهم [ 2 ] : إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال ، فقد تم أنسه به . إذا أكل عنده ، ودخل الخلاء ، وصلى ، ونام فذكر ذلك لبعض المشايخ ، فقال بقيت خامسة ، وهو أن يحضر مع الأهل في بيت أخيه ويجامعها . لأن البيت يتخذ للاستخفاء في هذه الأمور الخمس . وإلا فالمساجد أروح لقلوب المتعبدين . فإذا فعل هذه الخمس فقد تم الأخاء ، وارتفعت الحشمة ، وتأكد الانبساط . وقول العرب في تسليمهم يشير إلى ذلك . إذ يقول أحدهم لصاحبه : مرحبا وأهلا وسهلا . أي لك عندنا مرحب وهو السعة في القلب والمكان ، ولك عندنا أهل تأنس بهم بلا وحشة لك منا ، ولك عندنا سهولة في ذلك كله ، أي لا يشتد علينا شيء مما تريد ولا يتم التخفيف وترك التكلف إلا بأن يرى نفسه دون إخوانه ، ويحسن الظن بهم ويسئ الظن بنفسه . فإذا رآهم خيرا من نفسه ، فعند ذلك يكون هو خيرا منهم . وقال أبو معاوية الأسود : إخواني كلهم خير منى . قيل وكيف ذلك ؟ قال كلهم يرى لي الفضل عليه