الغزالي
192
إحياء علوم الدين
فمن الوفاء للأخ مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه والمتعلقين به ، ومراعاتهم أوقع في قلب الصديق من مراعاة الأخ في نفسه ، فإن فرحه بتفقد من يتعلق به أكثر ، إذ لا يدل على قوة الشفقة والحب إلا تعديهما من المحبوب إلى كل من يتعلق به ، حتى الكلب الذي على باب داره ينبغي أن يميز في القلب عن سائر الكلاب ومهما انقطع الوفاء بدوام المحبة ، شمت به الشيطان ، فإنه لا يحسد متعاونين على بر ، كما يحسد متواخيين في الله ومتحابين فيه . فإنه يجهد نفسه لإفساد ما بينهما . قال الله تعالى * ( وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ) * « 1 » وقال مخبرا عن يوسف * ( من بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إِخْوَتِي ) * « 2 » ويقال : ما تواخى اثنان في الله ، فتفرق بينهما ، إلا بذنب يرتكبه أحدهما . وكان بشر يقول : إذا قصر العبد في طاعة الله ، سلبه الله من يؤنسه . وذلك لأن الإخوان مسلاة للهموم ، وعون على الدين . ولذلك قال ابن المبارك : ألذ الأشياء مجالسة الإخوان والانقلاب إلى كفاية . والمودة الدائمة هي التي تكون في الله . وما يكون لغرض يزول بزوال ذلك الغرض . ومن ثمرات المودة في الله أن لا تكون مع حسد في دين ودنيا . وكيف يحسده وكل ما هو لأخيه فإليه ترجع فائدته ! وبه وصف الله تعالى المحبين في الله تعالى فقال * ( ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ) * « 3 » ووجوه الحاجة هو الحسد ومن الوفاء أن لا يتغير حاله في التواضع مع أخيه ، وإن ارتفع شأنه ، واتسعت ولايته وعظم جاهه . فالترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم . قال الشاعر إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن وأوصى بعض السلف ابنه فقال : يا بني ، لا تصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قرب منك ، وإن استغنيت عنه لم يطمع فيك وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك . وقال بعض الحكماء : إذا ولىّ أخوك ولاية فثبت على نصف مودته لك فهو كثير
--> « 1 » الاسراء : 53 « 2 » يوسف : 100 « 3 » الحشر : 9