الغزالي

193

إحياء علوم الدين

وحكى الربيع أن الشافعي رحمه الله آخى رجلا ببغداد ، ثم إن أخاه ولَّي السيبين ، فتغير له عما كان عليه . فكتب إليه الشافعي بهذه الأبيات اذهب فودّك من فؤادي طالق أبدا وليس طلاق ذات البين فإن ارعويت فإنها تطليقة ويدوم ودك لي على ثنتين وإن امتنعت شفعتها بمثالها فتكون تطليقين في حيضين وإذا الثلاث أتتك منى بتة لم يغن عنك ولاية السيبين واعلم أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين ، بل من الوفاء له المخالفة . فقد كان الشافعي رضي الله عنه آخى محمد بن عبد الحكم ، وكان يقربه ويقبل عليه ، ويقول : ما يقيمنى بمصر غيره . فاعتل محمد ، فعاده الشافعي رحمه الله فقال : مرض الحبيب فعدته فمرضت من حذرى عليه وأتى الحبيب يعودني فبرئت من نظري إليه وظن الناس لصدق مودتهما أنه يفوض أمر حلقته إليه بعد وفاته . فقيل للشافعي في علته التي مات فيها رضي الله عنه ، إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله ؟ فاستشرف له محمد ابن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومئ إليه ، فقال الشافعي : سبحان الله ! أيشك في هذا ؟ أبو يعقوب البويطي . فانكسر لها محمد . ومال أصحابه إلى البويطي ، مع أن محمدا كان قد حمل عنه مذهبه كله . لكن كان البويطي أفضل وأقرب إلى الزهد والورع . فنصح الشافعي لله وللمسلمين ، وترك المداهنة ، ولم يؤثر رضا الخلق على رضا الله تعالى . فلما توفى انقلب محمد ابن عبد الحكم عن مذهبه ، ورجع إلى مذهب أبيه ، ودرس كتب مالك رحمه الله ، وهو من كبار أصحاب مالك رحمه الله . وآثر البويطي الزهد والخمول ، ولم يعجبه الجمع والجلوس في الحلقة ، واشتغل بالعبادة ، وصنف كتاب الأم الذي ينسب الآن إلى الربيع بن سليمان ويعرف به ، وإنما صنفه البويطي ، ولكن لم يذكر نفسه فيه ، ولم ينسبه إلى نفسه ، فزاد الربيع فيه وتصرف وأظهره . والمقصود أن الوفاء بالمحبة من تمامها النصح لله . قال الأحنف الإخاء جوهرة رقيقة ، إن لم تحرسها كانت معرضة للآفات . فاحرسها بالكظم حتى تعتذر