الغزالي

153

إحياء علوم الدين

واحد ، وهو أن يكون بحيث لو منعه العلم مثلا ، أو تعذر عليه تحصيله منه ، لنقص حبه بسببه فالقدر الذي ينقص بسبب فقده هو لله تعالى . وله على ذلك القدر ثواب الحب في الله . وليس بمستنكر أن يشتد حبك لإنسان لجملة أغراض ترتبط لك به ، فإن امتنع بعضها نقص حبك وإن زاد زاد الحب . فليس حبك للذهب كحبك للفضة إذا تساوى مقدارهما ، لأن الذهب يوصل إلى أغراض هي أكثر مما توصل إليه الفضة . فإذا يزيد الحب بزيادة الغرض ، ولا يستحيل اجتماع الأغراض الدنيوية والأخروية ، فهو داخل في جملة الحب لله . وحدّه هو أن كل حب لولا الإيمان باللَّه واليوم الآخر لم يتصور وجوده ، فهو حب في الله . وكذلك كل زيادة في الحب ، لولا الإيمان باللَّه لم تكن تلك الزيادة ، فتلك الزيادة من الحب في الله . فذلك وإن دق فهو عزيز . قال الجريري : تعامل الناس في القرن الأول بالدين حتى رق الدين وتعاملوا في القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء ، وفي الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة ولم يبق إلا الرهبة والرغبة . القسم الرابع : أن يحب لله وفي الله ، لا لينال منه علما أو عملا ، أو يتوسل به إلى أمر وراء ذاته . وهذا أعلى الدرجات . وهو أدقها وأغمضها . وهذا القسم أيضا ممكن . فإن من آثار غلبة الحب ، أن يتعدى من المحبوب إلى كل من يتعلق بالمحبوب ويناسبه ولو من بعد فمن أحب إنسانا حبا شديدا أحب محب ذلك الإنسان ، وأحب محبوبه ، وأحب من يخدمه وأحب من يثنى عليه محبوبه ، وأحب من يتسارع إلى رضا محبوبه ، حتى قال بقية بن الوليد : إن المؤمن إذا أحب المؤمن ، أحب كلبه . وهو كما قال . ويشهد له التجربة في أحوال العشاق ويدل عليه أشعار الشعراء . ولذلك يحفظ ثوب المحبوب ويخفيه ، تذكرة من جهته ، ويحب منزله ومحلته وجيرانه ، حتى قال مجنون بني عامر أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا فإذا المشاهدة والتجربة تدل على أن الحب يتعدى من ذات المحبوب إلى ما يحيط به ويتعلق بأسبابه ، ويناسبه ولو من بعد . ولكن ذلك من خاصية فرط المحبة . فأصل المحبة لا يكفي فيه . ويكون اتساع الحب في تعديه من المحبوب إلى ما يكتنفه ، ويحيط به ، ويتعلق