الغزالي

154

إحياء علوم الدين

بأسبابه ، بحسب افراط المحبة وقوتها . وكذلك حب الله سبحانه وتعالى ، إذا قوى وغلب على القلب ، واستولى عليه ، حتى انتهى إلى حد الاستهتار ، فيتعدى إلى كل موجود سواه فإن كل موجود سواه أثر من آثار قدرته . ومن أحب إنسانا أحب صنعته وخطه وجميع أفعاله . ولذلك كان صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] إذا حمل إليه باكورة من الفواكه ، مسح بها عينيه وأكرمها ، وقال إنه قريب العهد بربنا وحب الله تعالى تارة يكون لصدق الزجاء في مواعيده ، وما يتوقع في الآخرة من نعيمه ، وتارة لما سلف من أياديه وصنوف نعمته ، وتارة لذاته لا لأمر آخر ، وهو أدق ضروب المحبة وأعلاها . وسيأتي تحقيقها في كتاب المحبة من ربع المنجيات إن شاء الله تعالى وكيفما اتفق حب الله ، فإذا قوى تعدى إلى كل متعلق به ضربا من التعلق ، حتى يتعدى إلى ما هو في نفسه مؤلم مكروه ، ولكن فرط الحب يضعف الإحساس بالألم ، والفرح بفعل المحبوب وقصد إياه بالإيلام يغمر إدراك الألم ، وذلك كالفرح بضربة من المحبوب ، أو قرصة فيها نوع معاتبة ، فإن قوة المحبة تثير فرحا يغمر إدراك الألم فيه . وقد انتهت محبة الله بقوم إلى أن قالوا لا نفرق بين البلاء والنعمة ، فإن الكل من الله ، ولا نفرح إلا بما فيه رضاه حتى قال بعضهم : لا أريد أن أنال مغفرة الله بمعصية الله . وقال سمنون : وليس لي في سواك حظ فكيفما شئت فاختبرنى وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبة والمقصود أن حب الله إذا قوى ، أثمر حب كل من يقوم بحق عبادة الله في علم أو عمل وأثمر حب كل من فيه صفة مرضية عند الله من خلق حسن ، أو تأدب بآداب الشرع . وما من مؤمن محب للآخرة ، ومحب لله ، إلا إذا أخبر عن حال رجلين ، أحدهما عالم عابد والآخر جاهل فاسق ، إلا وجد في نفسه ميلا إلى العالم العابد . ثم يضعف ذلك الميل ويقوى بحسب ضعف إيمانه وقوته . وبحسب ضعف حبه لله وقوته . وهذا الميل حاصل وإن كانا