الغزالي

133

إحياء علوم الدين

به للصوفية لا يجوز أن يصرف إلى قوال الصوفية ، بخلاف الوقف . وكذلك من أحضروه من العمال والتجار والقضاة والفقهاء ، ممن لهم غرض في استمالة قلوبهم ، يحل لهم الأكل برضاهم . فإن الواقف لا يقف إلا معتقدا فيه ما جرت به عادات الصوفية ، فينزل على العرف ولكن ليس هذا على الدوام . فلا يجوز لمن ليس صوفيا أن يسكن معهم على الدوام ويأكل وإن رضوا به . إذ ليس لهم تغيير شرط الواقف بمشاركة غير جنسهم وأما الفقيه : إذا كان على زيهم وأخلاقهم ، فله النزول عليهم . وكونه فقيها لا ينافي كونه صوفيا . والجهل ليس بشرط في التصوف عند من يعرف التصوف . ولا يلتفت إلى خرافات بعض الحمقى بقولهم إن العلم حجاب ، فإن الجهل هو الحجاب . وقد ذكرنا تأويل هذه الكلمة في كتاب العلم . وأن الحجاب هو العلم المذموم دون المحمود ، وذكرنا المحمود والمذموم وشرحهما وأما الفقيه إذا لم يكن على زيهم وأخلاقهم ، فلهم منعه من النزول عليهم . فإن رضوا بنزوله ، فيحل له الأكل معهم بطريق التبعية . فكان عدم الزي تجبره المساكنة ، ولكن برضا أهل الزي . وهذه أمور تشهد لها العادات ، وفيها أمور متقابلة لا يخفى أطرافها في النفي والإثبات ، ومتشابه أوساطها ، فمن احترز في مواضع الاشتباه ، فقد استبرأ لدينه كما نبهنا عليه في أبواب الشبهات مسألة : سئل عن الفرق بين الرشوة والهدية ، مع أن كل واحد مهما يصدر عن الرضا ، ولا يخلو عن غرض ، وقد حرمت إحداهما دون الأخرى فقلت : باذل المال لا يبذله قط إلا لغرض . ولكن الغرض إما آجل كالثواب ، وإما عاجل . والعاجل إما مال ، وإما فعل وإعانة على مقصود معين ، وإما تقرب إلى قلب المهدي إليه بطلب محبته ، إما للمحبة في عينها ، وإما للتوصل بالمحبة إلى غرض وراءها . فالأقسام الحاصلة من هذه خمسة : الأول : ما غرضه الثواب في الآخرة . وذلك إما أن يكون لكون المصروف إليه محتاجا أو عالما ، أو منتسبا بنسب ديني ، أو صالحا في نفسه متدينا . فما علم الآخذ أنه يعطاه لحاجته