الغزالي

134

إحياء علوم الدين

لا يحل له أخذه إن لم يكن محتاجا . وما علم أنه يعطاه لشرف نسبه ، لا يحل له إن علم أنه كاذب في دعوى النسب . وما يعطى لعلمه ، فلا يحل له أن يأخذه إلا أن يكون في العلم كما يعتقده المعطى . فإن كان خيل إليه كما لا في العلم ، حتى بعثه بذلك على التقرب ، ولم يكن كاملا ، لم يحل له . وما يعطى لدينه وصلاحه ، لا يحل له أن يأخذه إن كان فاسقا في الباطن فسقا لو علمه المعطى ما أعطاه . وقلما يكون الصالح بحيث لو انكشف باطنه لبقيت القلوب مائلة إليه . وإنما ستر الله الجميل ، هو الذي يحبب الخلق إلى الخلق . وكان المتورعون يوكلون في الشراء من لا يعرف أنه وكيلهم ، حتى لا يتسامحوا في المبيع ، خيفة من أن يكون ذلك أكلا بالدين فإن ذلك مخطر ، والتقى خفى ، لا كالعلم والنسب والفقر ، فينبغي أن يجتنب الأخذ بالدين ما أمكن القسم الثاني : ما يقصد به في العاجل غرض معين ، كالفقير يهدى إلى الغنى طمعا في خلعته ، فهذه هبة بشرط الثواب لا يخفى حكمها . وإنما تحل عند الوفاء بالثواب المطموع فيه ، وعند وجود شروط العقود الثالث : أن يكون المراد إعانة بفعل معين ، كالمحتاج إلى السلطان يهدى إلى وكيل السلطان وخاصته ومن له مكانة عنده . فهذه هدية بشرط ثواب يعرف بقرينة الحال . فلينظر في ذلك العمل الذي هو الثواب ، فإن كان حراما كالسعي في تنجيز إدرار حرام ، أو ظلم إنسان أو غيره ، حرم الأخذ . وإن كان واجبا كدفع ظلم متعين على كل من يقدر عليه ، أو شهادة متعينة ، فيحرم عليه ما يأخذه . وهي الرشوة التي لا يشك في تحريمها . وإن كان مباحا لا واجبا ولا حراما ، وكان فيه تعب ، بحيث لو عرف لجاز الاستئجار عليه ، فما يأخذه حلال مهما وفي بالغرض . وهو جار مجرى الجعالة ، كقوله أوصل هذه القصة إلى يد فلان ، أو يد السلطان ، ولك دينار ، وكان بحيث يحتاج إلى تعب وعمل متقوم ، أو قال اقترح على فلان أن يعينني في غرض كذا ، أو ينعم علىّ بكذا ، وافتقر في تنجيز غرضه إلى كلام طويل ، فذلك جعل ، كما يأخذه الوكيل بالخصومة بين يدي القاضي ، فليس بحرام إذا كان لا يسعى في حرام وإن كان مقصوده يحصل بكلمة لا تعب فيها ، ولكن تلك الكلمة من ذي الجاه ، أو تلك الفعلة من ذي الجاه تفيد ، كقوله للبواب لا تغلق دونه باب السلطان ، أو كوضعه قصة بين يدي السلطان فقط ، فهذا حرام ، لأنه عوض من الجاه ، ولم يثبت في الشرع جواز ذلك