الغزالي

118

إحياء علوم الدين

بحيث يحصل بها غرض الظالم من غير معصية ، ليصده بذلك عن الوصول إلى غرضه بالظلم . فإذا يجب عليه التعريف في محل جهله ، والتخويف فيما هو مستجرئ عليه ، والإرشاد إلى ما هو غافل عنه مما يغنيه عن الظلم . فهذه ثلاثة أمور تلزمه إذا توقع للكلام فيه أثرا وذلك أيضا لازم على كل من اتفق له دخول على السلطان بعذر أو بغير عذر وعن محمد بن صالح قال : كنت عند حماد بن سلمة ، وإذا ليس في البيت إلا حصير ، وهو جالس عليه ، ومصحف يقرأ فيه ، وجراب فيه علمه ، ومطهرة يتوضأ منها ، فبينا أنا عنده إذ دق داق الباب ، فإذا هو محمد بن سليمان ، فأذن له ، فدخل وجلس بين يديه ، ثم قال له مالي إذا رأيتك امتلأت منك رعبا ؟ قال حماد ، لأنه قال عليه السلام [ 1 ] « إنّ العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كلّ شيء ، وإن أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كلّ شيء » ثم عرض عليه أربعين ألف درهم ، وقال : تأخذها وتستعين بها ، قال ارددها على من ظلمته بها . قال والله ما أعطيتك إلا مما ورثته . قال لا حاجة لي بها . قال فتأخذها فتقسمها . قال : لعليّ إن عدلت في قسمتها أخاف أن يقول بعض من لم يرزق منها إنه لم يعدل في قسمتها ، فيأثم ، فازوها عنى الحالة الثالثة : أن يعتزلهم ، فلا يراهم ولا يرونه ، وهو الواجب . إذ لا سلامة إلا فيه فعليه أن يعتقد بغضهم على ظلمهم ، ولا يحب بقاءهم ، ولا يثنى عليهم ، ولا يستخبر عن أحوالهم ، ولا يتقرب إلى المتصلين بهم ، ولا يتأسف على ما يفوت بسبب مفارقتهم ، وذلك إذا خطر بباله أمرهم . وإن غفل عنهم فهو الأحسن . وإذا خطر بباله تنعمهم ، فليذكر ما قاله حاتم الأصم : إنما بيني وبين الملوك يوم واحد ، فأما أمس فلا يجدون لذته ، وإني وإياهم في غد لعلى وجل ، وإنما هو اليوم ، وما عسى أن يكون في اليوم . وما قاله أبو الدرداء إذ قال : أهل الأموال يأكلون ونأكل ، ويشربون ونشرب ، ويلبسون ونلبس ، ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر معهم إليها ، وعليهم حسابها ونحن منها برآء .