الغزالي
119
إحياء علوم الدين
وكل من أحاط علمه بظلم ظالم ومعصية عاص ، فينبغي أن يحط ذلك من درجته في قلبه . فهذا واجب عليه ، لأن من صدر منه ما يكره نقص ذلك من رتبته في القلب لا محالة . والمعصية ينبغي أن تكره ، فإنه إما أن يغفل عنها ، أو يرضى بها ، أو يكره ، ولا غفلة مع العلم ، ولا وجه للرضا ، فلا بد من الكراهة . فليكن جناية كل أحد على حق الله ، كجنايته على حقك فإن قلت : الكراهة لا تدخل تحت الاختيار ، فكيف تجب ؟ قلنا : ليس كذلك . فإن المحب يكره بضرورة الطبع ما هو مكروه عند محبوبه ومخالف له . فإن من لا يكره معصية الله لا يحب الله . وإنما لا يحب الله من لا يعرفه . والمعرفة واجبة . والمحبة لله واجبة . وإذا أحبه كره ما كرهه ، وأحب ما أحبه . وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبة والرضا فإن قلت : فقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين ، فأقول نعم تعلَّم الدخول منهم ثم ادخل . كما حكى أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى مكة ، فلما دخلها قال ائتوني برجل من الصحابة . فقيل يا أمير المؤمنين قد تفانوا . فقال من التابعين . فأتى بطاوس اليماني . فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ، ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين ، ولكن قال ، السلام عليك يا هشام ، ولم يكنّه ، وجلس بإزائه ، وقال كيف أنت يا هشام ؟ فغضب هشام غضبا شديدا حتى همّ بقتله . فقيل له أنت في حرم الله وحرم رسوله ، ولا يمكن ذلك . فقال له يا طاوس ، ما الذي حملك على ما صنعت ؟ قال وما الذي صنعت ؟ فازداد غضبا وغيظا . قال خلعت نعليك بحاشية بساطي . ولم تقبل يدي . ولم تسلم علىّ بإمرة المؤمنين . ولم تكننى . وجلست بإزائى بغير إذني وقلت كيف أنت يا هشام . قال أما ما فعلت من خلع نعلى بحاشية بساطك ، فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ، ولا يغضب علىّ . وأما قولك لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة ، أو ولده من رحمة . وأما قولك لم تسلم علىّ بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك . فكرهت أن أكذب . وأما قولك لم تكننى ، فإن الله تعالى سمى أنبياءه وأولياءه ، فقال يا داود ، يا يحيى ، يا عيسى ، وكنى أعداءه ، فقال تبت يدا أبي لهب . وأما قولك جلست بازائى ، فانى سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول : إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار ، فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام . فقال له هشام عظني