الغزالي

115

إحياء علوم الدين

ولا بقوله السلام عليكم . ولكن إن سجد أو ركع أو مثل قائما في سلامه وخدمته كان مكرما للظالم بسبب ولايته التي هي آلة ظلمه . والتواضع للظالم معصية . بل من تواضع لغني ليس بظالم لأجل غناه لا لمعنى آخر اقتضى التواضع ، نقص ثلثا دينه . فكيف إذا تواضع للظالم ! فلا يباح إلا مجرد الإسلام فأما تقبيل اليد والانحناء في الخدمة فهو معصية ، إلا عند الخوف ، أو لإمام عادل ، أو لعالم ، أو لمن يستحق ذلك بأمر ديني . قبّل أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، يد علي كرم الله وجهه ، لما أن لقيه بالشام ، فلم ينكر عليه . وقد بالغ بعض السلف حتى امتنع عن رد جوابهم في السلام ، والإعراض عنهم استحقارا لهم . وعد ذلك من محاسن القربات . فأما السكوت عن رد الجواب ففيه نظر ، لأن ذلك واجب ، فلا ينبغي أن يسقط بالظلم فإن ترك الداخل جميع ذلك ، واقتصر على السلام ، فلا يخلو من الجلوس على بساطهم . وإذا كان أغلب أموالهم حراما فلا يجوز الجلوس على فرشهم . هذا من حيث الفعل فأما السكوت : فهو أنه سيرى في مجالسهم من الفرش الحرير وأواني الفضة ، والحرير الملبوس عليهم وعلى غلمانهم ما هو حرام . وكل من رأى سيئة وسكت عليها فهو شريك في تلك السيئة . بل يسمع من كلامهم ما هو فحش وكذب وشتم وإيذاء ، والسكوت على الجميع ذلك حرام . بل يراهم لابسين الثياب الحرام ، وآكلين الطعام الحرام ، وجميع ما في أيديهم حرام ، والسكوت على ذلك غير جائز . فيجب عليه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بلسانه ، إن لم يقدر بفعله . فإن قلت : إنه يخاف على نفسه ، فهو معذور في السكوت فهذا حق . ولكنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب ما لا يباح إلا بعذر . فإنه لو لم يدخل ولم يشاهد ، لم يتوجه عليه الخطاب بالحسبة ، حتى يسقط عنه بالعذر . وعند هذا أقول من علم فسادا في موضع ، وعلم أنه لا يقدر على إزالته ، فلا يجوز له أن يحضر ليجرى ذلك بين يديه وهو يشاهده ويسكت . بل ينبغي أن يحترز عن مشاهدته وأما القول : فهو أن يدعو للظالم ، أو يثنى عليه ، أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله أو بتحريك رأسه ، أو باستبشار في وجهه ، أو يظهر له الحب والموالاة والاشتياق إلى لقائه والحرص على طول عمره وبقائه ، فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام ، بل يتكلم ولا يعد وكلامه هذه الأقسام