الغزالي
116
إحياء علوم الدين
أما الدعاء له فلا يحل ، إلا أن يقول أصلحك الله ، أو وفقك الله للخيرات ، أو طول الله عمرك في طاعته ، أو ما يجرى هذا المجرى . فأما الدعاء بالحراسة وطول البقاء وإسباغ النعمة مع الخطاب بالمولى وما في معناه فغير جائز . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى الله في أرضه « فإن جاوز الدعاء إلى الثناء ، فسيذكر ما ليس فيه فيكون به كاذبا ومنافقا ومكرما لظالم . وهذه ثلاث معاص . وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] » إنّ الله ليغضب إذا مدح الفاسق « وفي خبر آخر [ 3 ] » من أكرم فاسقا فقد أعلن على هدم الإسلام « فإن جاوز ذلك إلى التصديق له فيما يقول ، والتزكية والثناء على ما يعمل ، كان عاصيا بالتصديق وبالإعانة . فإن التزكية والثناء إعانة على المعصية ، وتحريك للرغبة فيه . كما أن التكذيب والمذمة والتقبيح زجر عنه ، وتضعيف لدواعيه . والإعانة على المعصية معصية ، ولو بشطر كلمة . ولقد سئل سفيان رضي الله عنه عن ظالم أشرف على الهلاك في برية ، هل يسقي شربة ماء ؟ فقال : لا ، دعه حتى يموت ، فإن ذلك إعانة له . وقال غيره يسقى إلى أن تثوب إليه نفسه ، ثم يعرض عنه فان جاوز ذلك إلى إظهار الحب والشوق إلى لقائه ، وطول بقائه ، فإن كان كاذبا عصى معصية الكذب والنفاق . وإن كان صادقا عصى بحبه بقاء الظالم ، وحقه أن يبغضه في الله ويمقته فالبغض في الله واجب ، ومحب المعصية والراضي بها عاص . ومن أحب ظالما فان أحبه لظلمه فهو عاص لمحبته ، وإن أحبه لسبب آخر فهو عاص من حيث إنه لم يبغضه ، وكان الواجب عليه أن يبغضه . وإن اجتمع في شخص خير وشر ، وجب أن يحب لأجل ذلك الخير ويبغض لأجل ذلك الشر . وسيأتي في كتاب الأخوة والمتحابين في الله وجه الجمع بين البغض والحب فان سلم من ذلك كله ، وهيهات ، فلا يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه فإنه ينظر إلى توسعه في النعمة ويزدرى نعم الله عليه ، ويكون مقتحما نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم حيث قال [ 4 ] » يا معشر المهاجرين لا تدخلوا على أهل الدّنيا ، فإنّها مسخطة للرّزق « وهذا مع ما فيه من اقتداء غيره به