الغزالي
110
إحياء علوم الدين
الطاعة له ، كما تجب طاعة الأمراء . إذ قد ورد في الأمر بطاعة الأمراء ، [ 1 ] والمنع من سل اليد [ 2 ] عن مساعدتهم ، أو امر وزواجر . فالذي نراه أن الخلافة منعقدة للمتكفل بها من بنى العباس رضي الله عنه ، وأن الولاية نافذة للسلاطين في أقطار البلاد ، والمبايعين للخليفة وقد ذكرنا في كتاب المستظهري ، المستنبط من كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار تأليف القاضي أبي الطيب ، في الرد على أصناف الروافض من الباطنية ، ما يشير إلى وجه المصلحة فيه . والقول الوجيز أنا نراعى الصفات والشروط في السلاطين ، تشوفا إلى مزايا المصالح . ولو قضينا ببطلان الولايات الآن ، لبطلت المصالح رأسا . فكيف يفوت رأس المال في طلب الربح ! بل الولاية الآن لا تتبع إلا الشوكة . فمن بايعه صاحب الشوكة فهو الخليفة . ومن استبد بالشوكة وهو مطيع للخليفة في أصل الخطبة والسكة ، فهو سلطان نافذ الحكم والقضاء في أقطار الأرض ولاية نافذة الأحكام . وتحقيق هذا قد ذكرناه في أحكام الإمامة من كتاب الاقتصاد في الاعتقاد . فلسنا نطول الآن به وأما الإشكال الآخر ، وهو أن السلطان إذا لم يعمم بالعطاء كل مستحق ، فهل يجوز للواحد أن يأخذ منه ؟ فهذا مما اختلف العلماء فيه على أربع مراتب . فغلا بعضهم وقال ، كل ما يأخذه فالمسلمون كلهم فيه شركاء ، ولا يدرى أن حصته منه دانق أو حبة ، فليترك الكل . وقال قوم : له أن يأخذه قدر قوت يومه فقط ، فإن هذا القدر يستحقه لحاجته على المسلمين . وقال قوم : له قوت سنة ، فإن أخذ الكفاية كل يوم عسير ، وهو ذو حق في هذا المال ، فكيف يتركه ؟ وقال قوم : إنه يأخذ ما يعطى ، والمظلوم هم الباقون . وهذا هو القياس . لأن المال ليس مشتركا بين المسلمين ، كالغنيمة بين الغانمين ، ولا كالميراث بين الورثة لأن ذلك صار ملكا لهم ، وهذا لو لم يتفق قسمه حتى مات هؤلاء ، لم يجب التوزيع على ورثتهم