الغزالي
111
إحياء علوم الدين
بحكم الميراث . بل هذا الحق غير متعين . وإنما يتعين بالقبض . بل هو كالصدقات ومهما أعطى الفقراء حصتهم من الصدقات وقع ذلك ملكا لهم . ولم يمتنع بظلم المالك بقية الأصناف ، بمنع حقهم هذا إذا لم يصرف إليه كل المال ، بل صرف إليه من المال ما لو صرف إليه بطريق الإيثار والتفضيل مع تعميم الآخرين لجاز له أن يأخذه ، والتفضيل جائز في العطاء . سوّى أبو بكر رضي الله عنه ، فراجعه عمر رضي الله عنه ، فقال إنما فضلهم عند الله ، وإنما الدنيا بلاغ . وفضل عمر رضي الله عنه في زمانه ، فأعطى عائشة اثنى عشر ألفا وزينب عشرة آلاف ، وجويرية ستة آلاف ، وكذا صفية . وأقطع عمر لعلى خاصة رضي الله عنهما ، وأقطع عثمان أيضا من السواد خمس جنات ! وآثر عثمان عليا رضي الله عنهما بها ، فقبل ذلك منه ، ولم ينكر . وكل ذلك جائز في محل الاجتهاد وهو من المجتهدات التي أقول فيها إن كل مجتهد مصيب . وهي كل مسألة لا نص على عينها ، ولا على مسألة تقرب منها ، فتكون في معناها بقياس جلىّ ، كهذه المسألة ومسألة حد الشرب ، فإنهم جلدوا أربعين وثمانين ، والكل سنة وحق . وأن كل واحد من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مصيب باتفاق الصحابة رضي الله عنهم . إذ المفضول ما ردّ في زمان عمر شيئا إلى الفاضل ، مما قد كان أخذهم في زمان أبي بكر ، ولا الفاضل امتنع من قبول الفضل في زمان عمر . واشترك في ذلك كل الصحابة ، واعتقدوا أن كل واحد من الرأيين حق . فليؤخذ هذا الجنس دستورا للاختلافات التي يصوّب فيها كل مجتهد فأما كل مسألة شذ عن مجتهد فيها نص أو قياس جلىّ ، بغفلة أو سوء رأى ، وكان في القوة بحيث ينقض به حكم المجتهد ، فلا نقول فيها إن كل واحد مصيب ، بل المصيب من أصاب النص أو ما في معنى النص وقد تحصل من مجموع هذا أن من وجد من أهل الخصوص الموصوفين بصفة تتعلق بها مصالح الدين أو الدنيا ، وأخذ من السلطان خلعة أو إدرارا على التركات أو الجزية لم يصر فاسقا بمجرد أخذه ، وإنما يفسق بخدمته لهم ومعاونته إياهم ، ودخوله عليهم وثنائه وإطرائه لهم ، إلى غير ذلك من لوازم لا يسلم المال غالبا إلا بها كما سنبينه .