الغزالي
109
إحياء علوم الدين
والحساب والوكلاء ، وكل من يحتاج إليه في ترتيب ديوان الخراج ، أعنى العمال على الأموال الحلال لا على الحرام ، فإن هذا المال للمصالح ، والمصلحة إما أن تتعلق بالدين أو بالدنيا . فبالعلماء حراسة الدين . وبالأجناد حراسة الدنيا . والدين والملك توأمان ، فلا يستغنى أحدهما عن الآخر . والطبيب وإن كان لا يرتبط بعلمه أمر ديني ، ولكن يرتبط به صحة الجسد ، والدين يتبعه ، فيجوز أن يكون له ولمن يجرى مجراه في العلوم المحتاج إليها في مصلحة الأبدان أو مصلحة البلاد ، إدرار من هذه الأموال ، ليتفرغوا لمعالجة المسلمين أعنى من يعالج منهم بغير أجرة . وليس يشترط في هؤلاء الحاجة ، بل يجوز أن يعطوا مع الغنى . فإن الخلفاء الراشدين كانوا يعطون المهاجرين والأنصار ولم يعرفوا بالحاجة . وليس يتقدر أيضا بمقدار ، بل هو إلى اجتهاد الإمام . وله أن يوسع ويغنى ، وله أن يقتصر على الكفاية على ما يقتضيه الحال وسعة المال . فقد أخذ الحسن عليه السلام من معاوية في دفعة واحدة أربعمائة ألف درهم . وقد كان عمر رضي الله عنه يعطى لجماعة اثنى عشر ألف درهم نقرة في السنة . وأثبتت عائشة رضي الله عنهما في هذه الجريدة ، ولجماعة عشرة آلاف ولجماعة ستة آلاف ، وهكذا . فهذا مال هؤلاء ، فيوزع عليهم حتى لا يبقى منه شيء . فإن خص واحدا منهم بمال كثير فلا بأس . وكذلك للسلطان أن يخص من هذا المال ذوي الخصائص بالخلع والجوائز . فقد كان يفعل ذلك في السلف . ولكن ينبغي أن يلتفت فيه إلى المصلحة ومهما خص عالم أو شجاع بصلة . كان فيه بعث للناس ، وتحريض على الاشتغال والتشبه به فهذه فائدة الخلع والصلات ، وضروب التخصيصات . وكل ذلك منوط باجتهاد السلطان وإنما النظر في السلاطين الظلمة في شيئين : أحدهما : أن السلطان الظالم عليه أن يكف عن ولايته . وهو إما معزول أو واجب العزل فكيف يجوز أن يأخذه من يده وهو على التحقيق ليس بسلطان ؟ والثاني : أنه ليس يعمم بماله جميع المستحقين . فكيف يجوز للآحاد أن يأخذوا ؟ أفيجوز لهم الأخذ بقدر حصصهم ؟ أم لا يجوز أصلا ؟ أم يجوز أن يأخذ كل واحد ما أعطى ؟ أما الأول ، فالذي نراه أنه لا يمنع أخذ الحق . لأن السلطان الظالم الجاهل ، مهما ساعدته الشوكة ، وعسر خلعه ، وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق ، وجب تركه . ووجبت