الغزالي
108
إحياء علوم الدين
فإذا لا يجوز أن يؤخذ منهم في هذا الزمان ما يعلم أنه حلال ، لإفضائه إلى هذه المعاني . فكيف ما يعلم أنه حرام أو يشك فيه ؟ فمن استجرأ على أموالهم ، وشبه نفسه بالصحابة والتابعين ، فقد قاس الملائكة بالحدادين . ففي أخذ الأموال منهم حاجة إلى مخالطتهم ومراعاتهم ، وخدمة عمالهم ، واحتمال الذل منهم ، والثناء عليهم ، والتردد إلى أبوابهم وكل ذلك معصية على ما سنبين في الباب الذي يلي هذا . فإذا قد تبين مما تقدم مداخل أموالهم ، وما يحل منها وما لا يحل . فلو تصور أن يأخذ الإنسان منها ما يحل بقدر استحقاقه وهو جالس في بيته يساق إليه ، لا يحتاج فيه إلى تفقد عامل وخدمته ، ولا إلى الثناء عليهم وتزكيتهم ، ولا إلى مساعدتهم . فلا يحرم الأخذ ولكن يكره لمعان سننبه عليها في الباب الذي يلي هذا النظر الثاني من هذا الباب في قدر المأخوذ وصفة الآخذ ولنفرض المال من أموال المصالح ، كأربعة أخماس الفيء ، والمواريث ، فإن ما عداه مما قد تعين مستحقه إن كان من وقف أو صدقة ، أو خمس فيء أو خمس غنيمة ، وما كان من ملك السلطان مما أحياه أو اشتراه ، فله أن يعطى ما شاء لمن شاء . وإنما النظر في الأموال الضائعة ومال المصالح . فلا يجوز صرفه إلا إلى من فيه مصلحة عامة ، أو هو محتاج إليه عاجز عن الكسب . فأما الغنى الذي لا مصلحة فيه ، فلا يجوز صرف مال بيت المال إليه . هذا هو الصحيح : وإن كان العلماء قد اختلفوا فيه . وفي كلام عمر رضي الله عنه ما يدل على أن لكل مسلم حقا في بيت المال ، لكونه مسلما مكثرا جمع الإسلام . ولكنه مع هذا ما كان يقسم المال على المسلمين كافة ، بل على مخصوصين بصفات فإذا ثبت هذا ، فكل من يتولى أمرا يقوم به ، تتعدى مصلحته إلى المسلمين ، ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه ، فله في بيت المال حق الكفاية . ويدخل فيه العلماء كلهم ، أعنى العلوم التي تتعلق بمصالح الدين ، من علم الفقه والحديث ، والتفسير والقراءة ، حتى يدخل فيه المعلمون والمؤذنون وطلبة هذه العلوم أيضا يدخلون فيه ، فإنهم إن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب . ويدخل فيه العمال ، وهم الذين ترتبط مصالح الدنيا بأعمالهم ، وهم الأجناد المرتزقة ، الذين يحرسون المملكة بالسيوف عن أهل العداوة وأهل البغي وأعداء الإسلام . ويدخل فيه الكتاب