الغزالي

107

إحياء علوم الدين

فإن ما يأخذه من الحلال أكثر . فهذا مما قد جوزه جماعة من العلماء ، تعويلا على الأكثر . ونحن إنما توقفنا فيه في حق آحاد الناس . ومال السلطان أشبه بالخروج عن الحصر فلا يبعد أن يؤدى اجتهاد مجتهد إلى جواز أخذ ما لم يعلم أنه حرام ، اعتمادا على الأغلب . وإنما منعنا إذا كان الأكثر حراما فإذا فهمت هذه الدرجات ، تحققت أن إدرارات الظلمة في زماننا لا تجرى مجرى ذلك وأنها تفارقه من وجهين قاطعين . أحدهما : أن أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو أكثرها ، وكيف لا . والحلال هو الصدقات والفيء والغنيمة ، ولا وجود لها . وليس يدخل منها شيء في يد السلطان . ولم يبق إلا الجزية ، وأنها تؤخذ بأنواع من الظلم لا يحل أخذها به ، فإنهم يجاوزون حدود الشرع في المأخوذ والمأخوذ منه ، والوفاء له بالشرط ، ثم إذا نسبت ذلك إلى ما ينصب إليهم من الخراج المضروب على المسلمين ، ومن المصادرات ، والرشا ، وصنوف الظلم ، لم يبلغ عشر معشار عشيره والوجه الثاني : أن الظلمة في العصر الأول ، لقرب عهدهم بزمان الخلفاء الراشدين ، كانوا مستشعرين من ظلمهم ، ومتشوفين إلى استمالة قلوب الصحابة والتابعين ، وحريصين على قبولهم عطاياهم وجوائزهم ، وكانوا يبعثون إليهم من غير سؤال وإذلال ، بل كانوا يتقلدون المنة بقبولهم ويفرحون به . وكانوا يأخذون منهم ويفرقون ، ولا يطيعون السلاطين في أغراضهم ، ولا يغشون مجالسهم ، ولا يكثرون جمعهم ، ولا يحبون بقاءهم ، بل يدعون عليهم ، ويطلقون اللسان فيهم ، وينكرون المنكرات منهم عليهم . فما كان يحذر أن يصيبوا من دينهم بقدر ما أصابوا من دنياهم ، ولم يكن بأخذهم بأس . فأما الآنى ، فلا تسمح نفوس السلاطين بعطية إلا لمن طمعوا في استخدامهم ، والتكثر بهم ، الاستعانة بهم على أغراضهم والتجمل بغشيان مجالسهم ، وتكليفهم المواظبة على الدعاء والثناء ، والتزكية والإطراء في حضورهم ومغيبهم . فلو لم يذل الآخذ نفسه بالسؤال أولا ، وبالتردد في الخدمة ثانيا ، وبالثناء والدعاء ثالثا ، وبالمساعدة له على أغراضه عند الاستعانة رابعا ، وبتكثير جمعه في مجلسه وموكبه خامسا ، وبإظهار الحب والموالاة والمناصرة له على أعدائه سادسا ، وبالستر على ظلمه ومقابحه ومساوى أعماله سابعا ، لم ينعم عليه بدرهم واحد ، ولو كان في فضل الشافعي رحمه الله مثلا