الغزالي
99
إحياء علوم الدين
وأما إذا كان مال شبهة يحتمل أنه حلال ، فإذا لم يخرجه من يده لزمه الحج ، لأن كونه حلالا ممكن . ولا يسقط الحج إلا بالفقر ، ولم يتحقق فقره . وقد قال الله تعالى * ( ولِلَّه ِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطاعَ إِلَيْه ِ سَبِيلًا ) * « 1 » وإذا وجب عليه التصدق بما يزيد على حاجته ، حيث يغلب على ظنه تحريمه ، فالزكاة أولى بالوجوب . وإن لزمته كفارة ، فليجمع بين الصوم والإعتاق ليتخلص بيقين . وقد قال قوم يلزمهم الصوم دون الإطعام . إذ ليس له يسار معلوم . وقال المحاسبي ، يكفيه الإطعام . والذي نختاره أن كل شبهة حكمنا بوجوب اجتنابها ، وألزمناه إخراجها من يده ، لكون احتمال الحرام أغلب على ما ذكرناه ، فعليه لجمع بين الصوم والإطعام أما الصوم ، فلأنه مفلس حكما . وأما الإطعام ، فلأنه قد وجب عليه التصدق بالجميع ، ويحتمل أن يكون له ، فيكون اللزوم من جهة الكفارة مسألة : من في يده مال حرام أمسكه للحاجة ، فأراد أن يتطوع بالحج ، فإن كان ماشيا ، فلا بأس به . لأنه سيأكل هذا المال في غير عبادة ، فأكله في عبادة أولى . وإن كان لا يقدر على أن يمشى ، ويحتاج إلى زيادة للمركوب ، فلا يجوز الأخذ لمثل هذه الحاجة في الطريق كما لا يجوز شراء المركوب في البلد . وإن كان يتوقع القدرة على حلال لو أقام ، بحيث يستغنى به عن بقية الحرام ، فالإقامة في انتظاره أولى من الحج ماشيا بالمال الحرام مسألة : من خرج لحج واجب بمال فيه شبهة ، فليجتهد أن يكون قوته من الطيب . فإن لم يقدر ، فمن وقت الإحرام إلى التحلل . فإن لم يقدر ، فليجتهد يوم عرفة أن لا يكون قيامه بين يدي الله ودعاؤه في وقت مطعمه حرام وملبسه حرام ، فليجتهد أن لا يكون في بطنه حرام ، ولا على ظهره حرام . فإنا وإن جوزنا هذا بالحاجة ، فهو نوع ضرورة ، وما ألحقناه بالطيبات . فإن لم يقدر ، فليلازم قلبه الخوف والغم لما هو مضطر إليه ، من تناول ما ليس بطيب ، فعساه ينظر إليه بعين الرحمة ، ويتجاوز عنه بسبب حزنه وخوفه وكراهته مسألة : سئل أحمد بن حنبل رحمه الله ، فقال له قائل ، مات أبي وترك مالا ، وكان يعامل من
--> « 1 » آل عمران : 97