الشيخ محمد الصادقي
270
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
خلقكم « بِكُمْ رَحِيماً » وإزجاء الفلك هو من مظاهر الرحمة الرحيمية الربانية . أنتم تنساقون على الفلك بتنسيق الرب ، فكونوا في الحياة كلّها على النسق الذي يسوقكم الرب ، ولا تدعوا من دونه أربابا ، لكنكم توحدونه عند الضر وتشركون به حين النجاة . ! وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ( 67 ) . هنا لك إزجاء رخي بغية الرحمة ، وهنا اضطراب عتي ، مشهد لطيف عطيف يجمع بين الرخاء الرجاء ، ومكابدة العناء ، حيث تحس القلوب الواجفة المتعلقة بكل رجفة وهزة كالريشة الصغيرة الهزيلة في مهب الرياح القاصفة على ثبج البحار والموج الجبار ! « وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ » في خضمّ هذه الرحمة المزجية « ضل » عن قلوبكم ونفوسكم وتعلقاتكم « مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ » حيث القلوب حالة الرخاء متعلقة باللّه وسواه ، تحسب أن لمن سوى اللّه دخلا في نجاة ونجاح ، فإذا وقع في واقع منقطع عمن سوى اللّه كالبحر الملتطم ، ينسى الركب في الفلك المتناوح بين الأمواج كل قوة وسناد إلّا اللّه ، إذ لا يرى إلّا الأمواج ، وحينذاك تظهر بارقة الفطرة المتعلقة في عمقها باللّه ، ويبرز رجاء واحد ليس إلّا باللّه ، رغم خفاءه عن الأبصار ، وجلاء سواه للأبصار ، فهنا تتفتح البصيرة المغشية وتغمض الأبصار ، ويظهر الرب للبصائر كالشمس في رايعة النهار ! . « فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ » . . . فحين تنجلي الغمرة ينمحي نور الفطرة حيث الإنسان هو الإنسان كأن كيانه النسيان ، يضل هنا عنه اللّه ، كما ضل عنه قبله من سواه ، حيث تتقاذفه الأهواء ، وتتجاذبه إلى غير اللّه