الشيخ محمد الصادقي
171
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
مجاملات ، فوجّه هذه الحتمية الصادقة إلى وجهة أخرى لينة لا تنافيها ، أن يقول لهم كما يرجو رحمة ربه : إن شاء اللّه : ابتغاء رحمة اللّه ، وأما أنا فما عندي ، وما عند اللّه خير وأبقى . وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ( 29 ) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 30 ) . هذه كناية عن التقتير ومن ثم التبذير حيث هما مذمومان ، نهيا عن التفريط في الإنفاق وآخر عن الإفراط فيه ، أن يتخذ بين ذلك قواما : « الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً » ( 25 : 67 ) : وقوام المال ما يقوم بالحياة دون إسراف ولا تبذير ولا تكنيز حين يحتاج صاحبه ، فالقوام في الإنفاق « حسنة بين سيئتين » « 1 » « وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » ( 2 : 195 ) « وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ » ( 2 : 219 ) . نصوص أربعة تحمل بطيّاتها حملة على البلاء والمبذرين المسرفين ، آمرة بالتوازن الإسلامي السليم في صرف المال سلبيا وايجابيا : ان يد المسلّم هي يد الإعطاء مما زاد عن حاجياته ، لا مغلولة إلى عنقه ممسكا لا يعطي ، ولا باسطة كل البسط يعطي ولا يبقي ، وإنما قوام بين ذلك وعوان وتوازن هو القاعدة الكبرى في منهج الإقتصاد الاسلامي ، فالبخل غل والتبذير بسط وذل ، هما يقعد انك ملوما تلوم نفسك ويلومك
--> ( 1 ) . نور الثقلين 3 : 159 عن تفسير العياشي عن الحلبي عن بعض أصحابه عنه قال : قال أبو جعفر لأبي عبد اللّه ( ع ) يا بني عليك بالحسنة بين السيئتين تمحوهما ، قال : وكيف ذلك يا ابه ؟ قال : مثل قوله : « وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ . . . » .