الشيخ محمد الصادقي
92
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
الأوضاع الكاسدة ، التي تقوم على حق الربوبية لآلهة الأرض ، وإبطالها لإله السماوات والأرض ! فهل يبدأ يوسف بدعوته تعاميا عما يتطلبان ؟ وفيه إبعاد عن الحق لأنه خلاف غايتهما القصوى ! والسياسة الصالحة هنا في الدعوة تتطلب تقديم رجاء واطمئنان لهما أنه سوف يقضي طلبتهما ، وهنا جو صالح بين الأمرين لكي يبين سبب كونه من المحسنين ليجذبهم إحسانه كما هو . ولكي يطمئنهما أكثر مما يريان ، يبين موقفه من تأويل ، أنه ليس فقط للرؤيّ ، بل وله علم تأويل الطعام : قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) . وهكذا يدخل يوسف في نفوس صاحبي السجن بكل سياسة وكياسة في تنقّل الحديث ، حيث يؤكد لنفسه عليهما من العلم اللدني أكثر مما يريان حيث « قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ » أيا كان وأيان ومن ايّ كان ، من السجن أو خارجه « إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما » وذلك من إنباءات النبوات كما في المسيح ( عليه السلام ) « وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » ( 3 : 49 ) . فحتى لا يظنا أنه خبير بتأويل الرؤيا - فقط - في ظنون كسواه من المعبرين ، أم أنه - فقط - معبر الرؤيا كذي فنّ مثل سائر الفنون مهما كان بعيدا عن الظنون ، ولأنه يزعج المصاحب الثاني تأويلا لرؤياه بصلبه ، لهذه كلها وحكم أمثالها أخذ يبين موقفه من العلم الرسالي ، ومن هوامشه تأويل الرؤيا ، لكي يقع تأويله موقعه من القبول ، وعلّ الذي يصلب يؤمن