الشيخ محمد الصادقي
302
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
أكان من الرسل الأنفسية كالفطرة والعقل وسائر الجوانح والجوارح ، أم الآفاقية كالرسالات بآياتها وسائر الآيات التكوينية ، فإنها كلها هدى خالصة كالماء الخالص النازل من السماء لو أن الإنسان تبنّى فطرته بعقله وعلى ضوء هدي رسالات الوحي وسواها ، هداه اللّه إلى صراط مستقيم : « . . قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » ( 5 : 16 ) ولقد أنزل اللّه القرآن منذ أربعة عشر قرنا ، واحتملت سيول الوديان فردية وجماعية زبدا رابيا ضده ، إطفاء لنوره وإخمادا لناره ، ولكنه ما لبث بعيدا حتى برز حجة صارمة دحضت كل مكائد السوء ومصائده خالصة عن كل تحريف وتجديف وتزييف « لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » « 1 » . لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 18 ) . هذه والتسع التالية لها تفريعات وتفريغات للمثل المضروب في سابقتها السابغة ، المقتسمة كافة المكلفين إلى زبدة وزبدة ، فآية ونصفين للزبدة
--> ( 1 ) . نور الثقلين 2 : 492 ح 75 في الاحتجاج للطبرسي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حديث طويل وفيه : وقد بين اللّه تعالى قصص المغيرين فضرب مثلهم بقوله « فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ » فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن فهو يضمحل ويبطل ويتلاشى عند التحصيل ، والذي ينفع الناس منه فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والقلوب تقبله ، والأرض في هذا الموقع فهي محل العلم وقراره . . » .