الشيخ محمد الصادقي

189

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

ما يجمع منهم كأخريات البضاعات المتبقّية لديهم حيث قلّت في مس الضر ، ورثّت ببأسه ، فلم تحصل في هذه المزجاة إلّا قلة في كمّ وقلة في كيف ، فهم حين لم يكونوا واثقين ان يعطوا كيلا ببضاعة مغلاة لسابقهم السوء ، يتطلبّون إليه أن يوفي لهم الكيل ببضاعة مزجاة ، ثم ويتصدق عليهم ، حيث لمسوا فيه سابغ العطف من إيفاء كيل وإنزال خير ، حين كانت بضاعتهم وافية ، فكيف إذا كانت تافهة مزجاة ، فعلّه - إذا - يرحمهم ثم ويتصدق عليهم . هنا - وقد بلغ بهم أمرهم الإمر إلى ذلك الحد الحادّ من استرحام في تضيّق وانكسار وانحسار - لم يملك يوسف نفسه أن يمضي في تمثيل دور العزيز ، فقد انتهت الدروس واندرست عليهم معالم بيت النبوة في ذلك الشخوص كلّ دروس ، وحان حين المفاجأة العظمى التي لا تخطر لهم ببال . . فهنا يتلمع في لمحة لائحة كأنه هو يوسف : قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ( 89 ) . يرنّ في آذانهم رنّة تجرسهم في أعماقهم ، تذكرة لها نبراتها على علاتها في يوسف وأخيه إذ هم جاهلون ، فهل إنه هو يوسف حيث يخبرنا بما فعلنا بيوسف وأخيه ؟ وهو في سمت العزيز وأبهته ! وتراهم فعلوا بيوسف وأخيه ما فعلوه وهم جاهلون يوسف وأخاه ، أم جاهلون نكر ما فعلوه ؟ فهم إذا معذورون ؟ كلّا ، حيث الجهل هنا التجاهل على عمد ، ف « كل ذنب عمله العبد وإن كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه » « 1 » و « هَلْ عَلِمْتُمْ » تنديد بهم فيما جهلوا ثم الآن علموا بما

--> ( 1 ) . مجمع البيان وروى عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) أنه قال : كل ذنب . . . فقد حكى اللّه سبحانه قول يوسف لإخوته « هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ »